Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : الصحافة‏..‏ وترشيد المسار

هوامش حرة



الصحافة‏..‏ وترشيد المسار



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏





تستطيع الدولة إذا أرادت أن تصلح أحوال الصحافة المصرية بمجموعة من الإجراءات التي تضمن استقلال العمل الصحفي بعيدا عن هيمنة وابتزاز رأس المال‏..‏ لقد بدأت الأزمة الحقيقية للصحافة بهذا الزواج الباطل بينها وبين رأس المال ونقطة البداية أن نلغي هذا الزواج‏..‏لم يكن المال الحكومي هو الزواج الوحيد الباطل في مسيرة صاحبة الجلالة في السنوات الأخيرة ولكن هناك زيجات أخري مع رأس المال الخاص أحيانـا والعربي أحيانـا بل والدولي في كثير من الأحيان‏.‏ لقد جاء الاختراق من أكثر من مكان ووجدنا الصحافة المصرية في السنوات الأخيرة أرضـا مستباحة في ظل غياب الرقابة والمتابعة‏..‏ وأنا هنا أتحدث عن الرقابة المالية وليست الرقابة المهنية‏..‏ من هنا يتطلب الإصلاح مجموعة إجراءات ضرورية‏..‏



أولا‏:‏ ألا يسعي السادة المسئولون إلي تجنيد الصحفيين للعمل في مكاتبهم سواء في مناصب استشارية أو صفقات إعلانية أو أعمال أخري‏..‏ أعلم أن هذه الدعوة سوف تثير غضب الكثير من الزملاء لأنها تهدد مكاسب كثيرة استقرت منذ زمان بعيد ولكن من يريد أن يعمل مستشارا لأحد الوزراء عليه أن يحصل علي أجازة من صحيفته‏..‏ كما أن فصل العمل الصحفي عن الإعلانات ضرورة لا مفر منها خاصة أن الإعلانات الحكومية تحولت في أحيان كثيرة إلي عمليات تجميل لا تخلو من التضليل ومارست نوعا من أنواع الضغط علي الصحافة وهذا يتنافي مع المسئولية الأخلاقية للصحافة‏..‏



ثانيا‏:‏ يجب أن نتابع بدقة عمليات تمويل الصحافة الصفراء التي تسللت إلي الشارع المصري بصورة غريبة ومريبة سواء كان تمويلا ظاهرا أم خفيا وهنا يأتي دور رجال الأعمال في عمليات التمويل ومدي الشفافية فيها‏..‏ من حق رجال الأعمال أن يصدروا الصحف ولكن بشرط أن يكون الهدف هو العمل الصحفي وليس تشكيل مراكز قوي صحفية أو سياسية أو نشر الفضائح علي حساب الصحافة الدور والمسئولية‏.‏ أن الدولة لا تعرف الكثير عن عشرات بل مئات الصحف التي تصدر في مصر بتصريح من دول أجنبية‏..‏



وهنا ينبغي أن تراقب الحكومة التمويل الخارجي للصحف سواء كان عربيا أو دوليا‏..‏ لقد دخلت أموال كثيرة في السنوات الأخيرة إلي المنطقة تحت دعاوي مواجهة فكر الإرهاب أو محاربة الأصولية أو نشر الديمقراطية وينبغي أن يكون ذلك كله تحت عين الدولة لأنها أمور تتعلق بالأمن القومي المصري‏..‏ لقد أفرزت هذه الأموال مراكز فكرية جديدة تخدم مصالح معينة وأهداف خارجية‏,‏ وأصبح لها مريدون وأصحاب مصالح وهذه الأهداف لا تخفي علي أحد‏..‏ أن أهم ما يميز صحافة مصر دائما أنها شديدة الانتماء لهذا الوطن حريصة علي مصالحه الحقيقية‏..‏ أن الدولة بكل مؤسساتها تستطيع أن تتابع مصادر تمويل الصحف أيا كان لونها وسياستها وهذا حق لا ينبغي أن يناقشه أحد‏..‏



ثالثـا‏:‏ يجب أن تخضع عمليات اختيار القيادات الصحفية في الصحف القومية لمعايير أخلاقية ومهنية وفكرية نضمن من خلالها أن يكون المسئولون عن إدارة هذه المؤسسات علي درجة كبيرة من الوعي السياسي والقيم الأخلاقية التي حافظت علي دور الصحافة المصرية‏.‏ أن سوء اختيار بعض هذه القيادات أساء لدورها ومسئولياتها خاصة أن الكثير مما يكتب فيها يتنافي مع أبسط قوانين العمل الصحفي من حيث الأسلوب ولغة الحوار والتفاهات والإسفاف والتدخل في الأمور الشخصية والإساءة لحرية الصحافة بصورة عامة‏..‏



رابعا‏:‏ لا يمكن لنا أن ننكر أو نتجاهل دور نقابة الصحفيين وعلي رأسها الآن كاتب ومثقف كبير من فرسان الحرس القديم هو الأستاذ مكرم محمد أحمد وهو شخصيا يعاني مشاكل كثيرة مع الصحفيين أنفسهم أكثر مما يعاني مع الدولة وأجهزتها والمطلوب أن يدرك المجلس رغم اختلاف توجهاته أننا جميعا في سفينة واحدة وأن أبسط الأشياء لدي الحكومة أن تلغي مجلسا لنقابة مهنية أو تفرض عليها الحراسة ولهذا يجب أن نعالج مشكلاتنا قبل أن تصبح الدولة طرفـا فيها‏..‏



لقد تلقي مجلس النقابة في الفترة الأخيرة شكاوي كثيرة من المواطنين حول تجاوزات صارخة في عمليات النشر وبدأ المجلس بالفعل التحقيق فيها وعليه أن يصدر جزاءات رادعة خاصة فيما يتعلق بسمعة الناس والتشهير بالأبرياء وإساءة الظن بالمواطنين‏..‏ لقد ارتكبت الصحافة أخطاء كثيرة في الفترة السابقة أقل ما توصف به أنها مخجلة وإن كانت بشعة في حالات كثيرة‏..‏ وهذه التجاوزات يجب أن تتوقف وأن نعيد لصحافة مصر احترامها وتأثيرها ودورها الفكري الثقافي والسياسي في حياة المصريين‏..‏



لا أدري كيف تسلل هذا الكم الرهيب من الصحف الصفراء إلي الشارع المصري‏..‏ أمام باعة الصحف وفي المكتبات تقف مذهولا أمام المانشتات الحمراء والصفراء التي تنهش سمعة الناس وتستبيح حياتهم وأعراضهم ولا تتصور أنك تعيش في مصر وتقرأ صحيفة مصرية‏..‏ كانت هناك ثوابت تلتزم بها أخلاقيات العمل الصحفي ولكن في السنوات الأخيرة سقطت هذه الثوابت وتسللت إلي بلاط صاحبة الجلالة أسماء غريبة لا نعرف من أين جاءت ومن يقف وراءها‏..‏ أن أخطر ما يهدد صحافة مصر الآن بكل تاريخها هذه النوعية الرديئة من العمل الصحفي وهذه العملات الفاسدة التي تهدد هذا الكيان العريق‏..‏ وهنا ينبغي وضع ضوابط ملزمة بما ينشر حول أخبار الجريمة بحيث لا نترك الساحة لكل من هب ودب لينشر ما يري دون حرص علي حقيقة أو قيم وثوابت‏..‏ أن الصحافة الصفراء تحتاج إلي وقفة من مجلس النقابة ومن المجلس الأعلي للصحافة ومن الهيئة القضائية حتي لا نري ما هو أسوأ مما نراه الآن‏..‏



خامسا‏:‏ يجب أن تعيد الدولة النظر في إصلاح الهياكل المالية للمؤسسات الصحفية خاصة أن ديون هذه المؤسسات قد تجاوزت كل التوقعات وقد دار جدل طويل حول إسقاط هذه الديون أو إعادة جدولتها أو علي الأقل التنازل عن فوائدها وسداد أصل الدين‏..‏ ولاشك أن قضية الديون من أخطر ما يواجه الصحف القومية‏..‏ وفي نفس الوقت يجب أن يعاد النظر في مرتبات الصحفيين وهي الآن ضئيلة للغاية إذا وضعناها في مقارنة مع قطاعات كثيرة في الدولة مثل القضاء والبنوك وقطاعات البترول والسياحة‏..‏ أن مرتبات الصحفيين تجعلهم يتجهون للعمل في اماكن كثيرة مثل الفضائيات ومكاتب السادة الوزراء ورجال الأعمال وجهات عربية وأجنبية‏..‏ والمطلوب أن نوفر للصحفي الدخل المناسب الذي يحفظ له هيبته واحترامه وترفعه من أن يعمل هنا أو هناك‏..‏



أن مرتبات الصحفيين من الضمانات الأساسية لاستقلال الصحافة وحرصها علي حريتها وفي ظل مرتبات ودخول هزيلة يصبح من السهل التأثير فيها من خلال زواج باطل وغير مشروع مع رأس المال سواء كان حكوميا أو خاصا أو تابعا لجهات أخري لا نعرفها‏..‏



لا أدري كيف يتم التنسيق بين العمل في الصحف والعمل في الفضائيات لأن المصدر الأساسي للقضايا المطروحة علي الفضائيات يأتي الآن من الصحف كما أن عددا كبيرا من الصحفيين يعملون في هذه الفضائيات وبعد أن كانت الفضيحة يقرؤها عدد قليل من القراء في الصحيفة فإن الملايين يشاهدون الفضائيات‏.‏ الآن وهذا الاندماج بين دور الفضائيات ودور الصحف يتطلب إحساسا أكبر بالمسئولية وحرصا أكبر علي الالتزام بالحقيقة‏..‏ نحن أمام خطر حقيقي يمثل تهديدا لمكونات هذا المجتمع وأخلاقياته وثوابته أمام طوفان من الصحف والفضائيات لا يلتزم بشيء علي الإطلاق‏..‏ في كل يوم نشاهد جرائم جديدة في الصحف والفضائيات في أخبار كاذبة وحوارات مضلله وقبل هذا كله هذا الكم من الفضائح الذي يتعارض تماما مع دور الإعلام ومسئولياته‏..‏ ألفاظ نابية‏..‏ وحوارات رخيصة‏..‏ واتهامات ومخدرات وشذوذ وجنس وفضائح‏..‏ أنها تلال الزبالة التي تحاصر الشوارع وتهبط علينا من الصحف والفضائيات وإذا كان من الممكن منع الصحف الصفراء عن أبنائنا فكيف نمنع زبالة الفضائيات التي تدخل كل بيت وتخترق كل مكان‏..‏



لا نستطيع أن ننكر أن الصحافة تحولت الآن إلي قوة ضاربة ومؤثرة وأنها تسبق في دورها ومسئوليتها مؤسسات أخري كانت صاحبة تأثير ودور ولكن الإعلام في السنوات الأخيرة يتصدر المشهد العام في تشكيل الرأي العام وتوجيهه‏..‏ وهنا يجب أن نحافظ أولا علي هذا الدور وأن نضع له من الضمانات الأخلاقية والمهنية والفكرية ما يضعه في مساره الصحيح‏..‏ لأن ما نراه الآن لا يمثل الوجه الحقيقي للصحافة المصرية بتاريخها العريق والإعلام المصري بكل تراثه الفكري والثقافي والأخلاقي‏..‏




..‏ ويبقي الشعر



باريس‏..‏

الآن أجـلس في ربوعك‏..‏

دون همس أو كلام



قـطـعوا لساني

إنـي فـقـدت النـطـق يا باريس من زمن بعيد

قـالـوا بأن النـاس تـولـد‏..‏



ثـم تنـطق‏..‏ ثـم تـحـلـم ما تـريد

وأنـا أعيش وفي فـمي قـيد عنيد

قـطـعوا لساني‏..‏



قـطـعوه يوما عنـدما سمعوه

يصرخ في براءته القـديمة

عنـد أعتاب الكبار


'‏إنــي أحب‏'..'‏ ولا أحب‏'‏

صاحوا جميعا‏..‏

كـيف‏'‏ لا‏'‏ دخلـت لقـاموس الصغار



صلـبوا لساني علـقـوه علي الجدار

قـطـعوه في وضح النـهار

من يومها وأنا أقـول‏..‏ ولا أقـول



وأري لساني جثــة خرساء تنظر في ذهول

وأخاف منـه فـربما يوما يصيح

ويثور في وجهي القبيح



فلقد رأيت دماءه كالنـهر‏..‏

تـغرق وجه أيامي‏..‏ ويسقـط كالذبيح

وخشيت من غضب الكبار



مازلـت ألـمح طيفه الدامي‏..‏ علي صدر الجدار

في كـل وقـت أمضغ الكلمات في جوفي‏..‏ وأبلعها

وتنزف بين أعماقي‏..‏ وتصرخ في شراييني



ويحملني الدوار‏..‏ إلي الدوار

كلماتـنـا‏..‏ جثث تنام بداخلي

فأنا أقـول‏..‏ ولا أقـول



وأنا أموت‏..‏ ولا أموت

كلماتنـا قتلـي‏..‏

ودماؤها السوداء في صدري تـسيل



لا تـعجبي باريس من صمتي

فـصوتي بين أعماقي قتيل



من قصيدة تأملات باريسية سنة‏1989‏