Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : ولا شيء غير الحقيقة

هوامش حرة



ولا شيء غير الحقيقة



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏




في الأيام الأخيرة أثرت قضيتين علي درجة كبيرة من الأهمية والحساسية في وقت واحد‏..‏ كانت القضية الأولي هي ما حدث في جوائز الدولة العلمية هذا العام والملابسات التي أحاطت بواحدة من أهم هذه الجوائز وهي جائزة العلوم الأساسية والتي تقرر حجبها في سابقة هي الأولي من نوعها‏..‏ كانت القضية الثانية هي مشروع الحكومة لنقل مدافن القاهرة إلي مدينة‏6‏ أكتوبر ورغم الفارق الشديد بين القضيتين إلا أن هناك خيطـا رفيعـا ربط بينهما وهو ما يمكن أن نسميه غياب الحقيقة‏..‏ وكثيرا ما كان هذا السبب يقف وراء خلافات كثيرة بين الصحافة والسلطة‏..‏ أن مهمة صاحب القلم أن يحاول الكشف عن الحقيقة بينما تعتبر السلطة في أحيان كثيرة أن الحقيقة حق من حقوقها وسر من أسرارها حتي وإن تعارض ذلك مع قواعد الأمانة والشفافية‏..‏



لقد تلقيت اتصالين كان الأول من الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي والبحث العلمي ودار حوار طويل حول قضية جوائز الدولة هذا العام‏..‏ ثم كان الاتصال الثاني من المهندس أحمد المغربي وزير الإسكان والتنمية العمرانية حول نقل مدافن القاهرة إلي منطقة‏6‏ أكتوبر وبدء الإجراءات التنفيذية لهذا المشروع‏..‏



كانت نقطة البداية مع د‏.‏هاني هلال أنه أنكر تماما ما أشيع حول رفضه منح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الأساسية للدكتور هاني الناظر رئيس المركز القومي للبحوث‏..‏ وأكد د‏.‏هلال أنه لم يتدخل علي الإطلاق لمنع الجائزة عن د‏.‏الناظر وأن الجائزة تحكمها قواعد وضوابط لأن هذه الجائزة هي درة تاج الجوائز العلمية في مصر منذ سنوات بعيدة وان المساس بقدسية هذه الجوائز كارثة كبري‏..‏



أرسل لي د‏.‏هلال بعض الأوراق والمستندات وخرجت منها بالانطباعات التالية‏..‏


*‏ أن هناك خطأ ما حدث في قرار اللجنة العامة التي تتكون من‏28‏ عضوا حصل د‏.‏ الناظر علي أصوات‏22‏ عضوا منهم وحصلت د‏.‏رشيقة الريدي المرشحة الثانية علي‏6‏ أصوات‏..‏ وأن هذه اللجنة تراجعت عن قرارها بعد أن سلمته لأكاديمية البحث العلمي في مظروف مغلق‏..‏ وقلت للوزير بصراحة شديدة‏..‏ كان ينبغي إعادة تشكيل اللجنة وإعادة فحص أعمال المرشحين والتصويت عليها مرة أخري‏..‏



هنا برز أمامي هذا السؤال‏..‏ كيف يعترف رئيس اللجنة وهو عالم فاضل أنه لم يقرأ تقرير اللجنة كما ينبغي‏..‏ والسؤال الأخطر كيف تخضع عملية اختيار المرشح للجائزة التقديرية لرأي وقرار عضو واحد مهما كانت قدراته العلمية‏..‏ هذه أخطاء يجب تلافيها في السنوات القادمة‏..‏ وفي كل الحالات كان ينبغي احترام رأي اللجنة حتي ولو أخطأت أو إعادة النظر في تشكيل اللجنة من الأساس‏..‏


*‏ ما حدث كان فيه ظلم لجميع الأطراف دون أن نلقي مسئولية ذلك علي أحد‏..‏ كان فيه ظلم للوزير الذي أكد أنه لم يتدخل لمنع الجائزة عن د‏.‏ الناظر رغم انه تحمل ذلك أمام الرأي العام‏..‏ وكان فيه ظلم للدكتور الناظر الذي بدا وكأنه لا يستحق الجائزة رغم حصوله علي‏22‏ صوتـا من اللجنة العامة‏..‏ كان فيه ظلم للدكتورة رشيقة الريدي التي كان البعض بما فيهم وزير التعليم العالي نفسه يري أنها الأحق بالجائزة‏..‏ ولكن علي من تقع مسئولية ذلك كله هل هي اللجنة أم بعض الأعضاء فيها أم هي القواعد العامة التي تحكم عمليات الاختيار والترشيح والبحث والتقييم والتصويت وتحتاج إلي إعادة النظر حتي لا تتكرر الأخطاء‏..‏


*‏ من الصعب التشكيك في أعضاء اللجان من حيث نزاهتهم ومكانتهم العلمية ولكن يبدو أن هناك ضغوطـا ما وقع البعض تحت تأثيرها وهذا يتعارض تماما مع كل القواعد الأخلاقية التي ينبغي أن تكون هي الأساسي في منح هذه الجوائز‏..‏ إن ما حدث هذا العام في الجوائز العلمية يتطلب قواعد جديدة حتي لا نجد أنفسنا أمام كوارث أخري‏..‏



إن السبب في كل ما حدث في هذه الضجة حول جوائز الدولة هو غياب الحقيقة‏..‏ حقيقة ما حدث في اللجان‏..‏ وحقيقة ما حدث في عملية التصويت في أكاديمية البحث العلمي وحقيقة ما حدث وراء الكواليس سواء كان لحساب مرشح أو مسئول‏..‏ وهذه ظواهر تتنافي تمامـا مع الشفافية المطلوبة في مثل هذه المواقع الهامة والخطيرة‏..‏


{{{‏



أعود إلي قضية نقل المدافن من القاهرة إلي مدينة‏6‏ أكتوبر فقد جاءني صوت المهندس أحمد المغربي معاتبا ومؤكدا أن هذا القرار شاركت فيه أكثر من وزاره وأكثر من مسئول وسوف يتم تنفيذه تحت إشراف محافظة القاهرة وليس وزارة الإسكان‏..‏ وكان دور وزارة الإسكان هو عملية التخطيط للمشروع فقط‏..‏ وقد أتفقنا علي كل التفاصيل بين وزارات الإسكان والثقافة والتخطيط والإدارة المحلية‏..‏ هذه المدافن تقع علي مساحة‏1600‏ فدان في قلب القاهرة وقد تقرر الآتي‏..‏


*‏ تحويل هذه المساحة‏1600‏ فدان‏_‏ إلي حدائق عامة في قلب القاهرة ولا توجد نية لتحويلها إلي عقارات أو مشروعات استثمارية أو بيعها لأحد‏..‏


*‏ تسليم مدافن بديلة للمواطنين تقع في منطقة‏6‏ أكتوبر بنفس مساحات المدافن التي يملكونها في القاهرة بمعني إذا كان المدفن علي مساحة ألف متر ستقدم الحكومة مدفنـا علي نفس المساحة في‏6‏ أكتوبر مجهزا تجهيزا كاملا في عدد الحجرات والمساحات الخالية حول المدفن‏..‏


*‏ سوف تقوم هيئة الآثار بإعداد حصر شامل وكامل عن المدافن التاريخية ذات القيمة الأثرية ومنها علي سبيل المثال مدافن أسرة محمد علي والرموز السياسية والأدبية وكبار الفنانين والعلماء والرموز التاريخية وأضرحة الأولياء والصوفية وسوف تقام حول هذه الأضرحة حدائق عامة مع الحفاظ علي النماذج المعمارية الفريدة منها‏..‏


*‏ سوف يصدر قرار من الحكومة بمنع الدفن في المدافن القديمة لمدة‏5‏ سنوات بحيث تتحول خلالها عمليات الدفن بالكامل إلي المدافن الجديدة في‏6‏ أكتوبر خلال هذه الفترة الزمنية التي حددتها الحكومة‏..‏


*‏ لا توجد قرارات نزع ملكية أو تعويضات لأصحاب المدافن القديمة لأن كل مواطن سوف يحصل علي مدفن بديل بنفس المساحة التي يقوم عليها المدفن القديم‏..‏


*‏ يجري الآن إنشاء عدد كبير من المدافن في شرق القاهرة وغربها لأننا بالفعل نعاني أزمة شديدة في المدافن رغم وجود مساحات ضخمة حول القاهرة من الأراضي الصحراوية‏..‏


*‏ بالنسبة لعدد المواطنين الذين يسكنون هذه المقابر القديمة سوف يتم نقلهم إلي مساكن جديدة في عدد من المناطق المحيطة بالقاهرة وهم من حيث العدد لا يبلغون الملايين ولكنهم بالألاف فقط‏..‏


*‏ لنا أن نتصور مساحة‏1600‏ فدان من الحدائق في قلب القاهرة وفي هذه الأماكن الممتدة بطول طريق صلاح سالم والبساتين والسيدة عائشة والسيدة نفيسة وغيرها من الأحياء التي توجد فيها هذه المدافن القديمة وهي جزء من تاريخ القاهرة‏..‏



هذا ما أكده وزير الإسكان المهندس أحمد المغربي في حديثه معي‏..‏ وأعود إلي نقطة البداية‏..‏ وهي غياب الحقيقة‏..‏ أين المواطن المصري من كل هذه القرارات‏..‏ ومازالت الأسئلة تدور‏..‏


*‏ كيف سيتم نقل رفات الموتي إلي المدافن الجديدة وكيف ستقام هذه الجنازة الكبري التي تضم عشرات الالاف من المدافن والملايين من رفات البشر الذين رحلوا من مئات السنين‏..‏

‏*‏

علي أي أساس سيتم اختيار المدافن والأضرحة التاريخية وكل أسرة تتصور ولها الحق فيما تتصوره أن كبيرها الراحل رمز من رموز هذا البلد حتي وان كان إنسانـا بسيطـا عاديا‏..‏


*‏ من أين ستوفر الحكومة المياه اللازمة لري‏1600‏ فدان من الحدائق العامة‏..‏ أنه شيء جميل يسعدنا جميعـا أن تري عيون المصريين كل هذه المساحات الخضراء ولكن كيف نستطيع ذلك والناس في أحياء كثيرة لا يجدون مياه الشرب وكيف سيتم إنشاء شبكة لتوصيل مياه الري إلي كل هذه المساحات من الحدائق العامة‏..‏


*‏ كان ينبغي أن تعلن الحكومة وقد درست المشروع عن كل تفاصيله أمام الرأي العام لأننا لا نتحدث هنا عن أسرار عسكرية ولكننا أمام قضية شائكة جدا وعلي درجة من الحساسية‏..‏ نحن أمام نقل رفات الموتي بكل ما يحمله ذلك من ذكريات وعلاقات أسرية‏..‏ ونحن أمام مساحات شاسعة من الاراضي في قلب العاصمة بكل ما تمثله من ثروة عقارية



حتي وإن كانت في صورة مدافن‏..‏ ونحن أمام تاريخ طويل من الأشخاص والأحداث والصور‏..‏ وكل صفحة من صفحات هذا التاريخ فيها علاقات ورموز وقصص وحكايات‏..‏ تري من صاحب الحق في بقاء مدفن هنا أو إزالة مدفن هناك هل هي لجان من الآثار أم من المسئولين في الوزارات المختلفة أم هم أعضاء الحزب الوطني في كل منطقة من المناطق وما هي ضمانات عدم توزيع هذه الأراضي بصورة أو أخري في المستقبل البعيد وليس القريب‏..‏



أعود من حيث بدأت‏..‏ أنه الحوار الغائب بين السلطة والصحافة وبين المواطن وأصحاب القرار‏..‏ وقد ترتب علي ذلك غياب الحقيقة لأن المسئولين يتصرفون في شئون الدولة وكأنهم يديرون أملاكـا خاصة لا فرق في ذلك بين جائزة لعالم أو مقبرة مسئول راحل أو رمز لا نعرفه الآن وربما كان صاحب دور ورسالة‏..‏



الحقيقة هي أول طريق للمعرفة‏..‏ والمعرفة حق مشروع لكل مواطن خاصة ما يمس حياته‏..‏ وما أكثر الحقائق الغائبة في حياتنا‏..‏




..‏ ويبقي الشعر



تـمهـل قليلا فإنــك يوم

ومهما أقمت وطال المزار

ستشطرنا خلف شمس الغروب

وترحل بين دموع النهار

وتترك فينـا فراغـا وصمتـا



وتـلقي بنـا فـوق هذا الـجـدار

وتـشتاق كالنـاس ضيفـا جديدا

وينـهـي الرواية‏..‏ صمت الستار

وتـنسي قلوبا رأت فيك حلما

فهل كل حلم ضياء‏..‏ ونار



ترفــق قليلا ولا تنس أنـي

أتيت إليك وبعضي دمار

لأنـي انـتـظـرتـك عمرا طويلا

وفتـشت عنـك خبايا البحار

وغيرت لوني وأوصاف وجهـي



لبست قناع المنـي المستعار

وجئت إليك بخوف قديم

لألقاك قبل رحيل القطار

تمهل قليلا

ودعني أسافر في مقـلتيها



وأمحو عن القلب بعض الذنوب

لقـد عشت عمرا ثقيل الخطايا

وجئت بعشقي وخوفي أتوب

ظلال من الوهم قد ضيعتـنـا

وألقت بنـا فوق أرض غريبه



علي وجنتـيها عناء طويل

وبين ضلوعي جراح كـئـيبه

وعندي من الحب نهر كبير

تناثرت حزنا علي راصيته

ويوما صحوت رأيت الفراق



يكبـل نهر الهوي من يديه

وقالوا أتـي النهر حزن عجوز

تلال من اليأس في مقلتيه

توارت علـي الشـط كـل الزهور

ومات الربيع علـي ضفـتيه




'‏ من قصيدة تمهل قليلا فإنك يوم سنة‏1983'‏