Loading

الاثنين، 1 فبراير، 2010

بين الحرية والانفلات

هوامش حرة

بين الحرية والانفلات

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة









من وقت لآخر تقوم علي رؤوسنا القيامة وينطلق الصراخ والعويل وتشتعل المعارك تحت ستار حرية الإبداع‏..‏ ويكون السبب عادة أبياتا شعرية شاردة أو رواية هزلية سخيفة أو رأيا جامحا‏..‏ والغريب في الأمر أن المعارك تأخذ أتجاها واحدا في كل المراحل‏..‏ قصيدة أو رواية‏..‏ صراخ علي صفحات الجرائد‏..‏ أستجوابات في مجلس الشعب‏..‏ بيانات شجب وإدانة‏..‏ ولامانع من مظاهرة هنا أو تجمع هناك‏,‏ وفي نهاية الأمر يهدأ كل شيء‏,‏ ويتضح لنا أن القصة كلها ليست اكثر من محاولات لجذب الأنتباه أو افتعال معركة أو حديث عن أشياء لاقيمة ولا وجود لها‏..‏



منذ سنوات ثارت حملة ضارية بسبب رواية‏'‏ وليمة لأعشاب البحر‏'‏ وكنت واحدا من الذين أدانوا بشدة هذه الرواية في سلاسل وزارة الثقافة ومن أموال المصريين الغلابة‏..‏



وقد عاتبني بعض الاصدقاء يومها علي هذا الموقف‏,‏ ولو عاد بي الزمن لاتخذت الموقف نفسه رغم ايماني الشديد بحرية الابداع ولكن الفرق سيبقي بعيدا جدا بين الحرية المسئولة‏..‏ والحريات المنفلتة‏..‏ ورغم أن رواية‏,‏ وليمة لاعشاب البحر كانت سببا في إغلاق صحيفة ناجحة واعدام حزب سياسي حقيقي بقيت قضية حرية الابداع تطرح نفسها بين حين وآخر خاصة ان البعض منا تخصص في هذا الموضوع وجعله جنازة يشبع فيها لطما كلما هدأت الساحة‏,‏ والغريب ان الذين دافعوا عن حرية الرأي والابداع في وليمة لاعشاب البحر لم يدافعوا عن الصحيفة المغلقة والحزب المصادر‏.‏



اقول وأؤكد ان القضية لاتستحق من حين لاخر كل هذا الضجيج وكل هذا الصخب‏,‏ ولكن الحقيقة انها تعكس واقعا ثقافيا وفكريا اهترأ تماما وتراجع‏,‏ ويتحمل مسئولية ذلك اجهزة ثقافية فرطت في دورها ومسئوليتها‏,‏ ومجموعة من المثقفين الذين رقصوا علي كل الحبال ومارسوا كل الوان الدجل لأرضاء السلطة احيانا وترويج القبح في احيان اخري‏,‏ وامام حالة بالغة السوء في الافلاس وقف هؤلاء ينعون حرية الابداع التي انتهكت والعبقريات التي يحاصرها الجمود والتخلف والفكر التقليدي الذي يجتاح كل شيء‏..‏



وهنا ينبغي أن نطرح اكثر من سؤال‏..‏ السؤال الأول‏..‏ هل نحن بالفعل امام قضية ثقافية حقيقية تخص الابداع والحريات ؟ام نحن امام محاولات افتعال مقصودة هدفها إثارة الغبار ورواج سلع فاسدة وكاسدة ولاقيمة لها علي الاطلاق ؟‏..‏ وفي تقديري ان معظم النماذج الكتابية ولا اقول الابداعية التي ثار حولها جدل ومعارك تحت ستار الحرية تفتقد روح الابداع الحقيقي ولاتتمتع بقيمة فنية عالية‏,‏ ولعل السبب في ذلك ان مواكب الشللية وسهرات المثقفين وادعياء النقد أوجدت طابورا طويلا من الكتابة الرديئة وروجت لها ومنحتها شرعية الابداع ؟وهي ليست اكثر من شطحات كاذبة وغريبة‏..‏ وامام هذا اختلت مقاييس التقييم الحقيقي للعمل الابداعي سواء كان قصة أو رواية أو مسرحية أو حتي مقالة‏..‏ لقد تسللت للساحة أسماء لاعلاقة لها بالابداع لغة وفهما ودورا ومسئولية وكانت النتيجة هذا الخليط الغريب من التهويمات التي افتقدت اصول الفن ومقوماته‏..‏ ومن هنا فإن القضية التي تطرح نفسها من وقت لآخر حول حرية الابداع لايمكن ان نجد لها مكانا قبل ان يتوافر الابداع نفسه‏..‏ والقضية الحقيقية التي ينبغي ان تكون لدينا الشجاعة لكي نطرحها هي‏..‏ هل مانختلف الآن حوله ابداع حقيقي؟‏..‏

ومن الذي يملك الحق في تحديد ذلك‏..‏ اذا كان البعض يري ان حرية الابداع في مصر تعاني ظروفا صعبة فلابد بأن نعترف ان مايحدث في مصر الان نوع من انواع الانفلات وليس الحريات أبتداء بما يحدث في الصحافة وانتهاء بما نقرأ في الكتب والمجلات أنه ابداع السداح مداح اسوة بما يحدث في دنيا المال والاقتصاد تماما‏,‏ كما قال من سنوات كاتبنا الكبير الراحل احمد بهاء الدين‏..‏



لقد تجسد هذا الانفلات في ظواهر كثيرة تبدأ بالفضائيات ومايحدث فيها سواء في نماذج رديئة للفن العاري أو الفجاجة الشديدة في طرح القضايا أو نشر الخزعبلات والاتجار بالدين وهو مانراه علي صفحات الكثير من الصحف التي يخجل الانسان ان يدخلها بيته عن العلاقات الجنسية واحاديث العري وكتب التاريخ الصفراء في العلاقات الغريبة والشاذة التي يعاد نشرها‏..‏ وبجانب هذا نجد الانفلات الاعلامي في الروايات والقصص والازجال والاشعار حتي فقدت كل هذه الالوان من الكتابة رسالتها الاخلاقية في الشكل والمضمون‏.‏ هذا من حيث القيمة الاخلاقية اما القيمة الفنية فحدث ولا حرج فنحن امام نصوص فجة واساليب متهالكة‏..‏



ان هذا يؤكد اننا نعيش حالة انفلات واننا تجاوزنا كل اسقف الحريات التي يمكن ان يقف عندها مبدع بحكم المسئولية وليس بسيف الرقيب أو الرقابة‏.‏



أما السؤال الثالث الذي يطرح نفسه فهو‏..‏ ولماذا هذا الضجيج؟‏..‏ إن الافلاس في احيان كثيرة يفقد المجتمعات الجادة توزانها وتكون النتيجة ان يخرج منها هذا الهذيان بحيث نقرأ أشياء بلامعني يتوهم اصحابها انهم يقولون شيئا‏..‏ وشيئا مهما جدا‏..‏ وتبدو امامنا قضايا تافهة يحاول البعض ان ينفخ فيها حتي تبدو كبيرة امام الناس‏..‏ وهذا ما يحدث في مصر الآن‏..‏ ان ساحة الابداع تفتقد كثيرا مايستحق ان يثير جدلا بل ان هناك محاولات لطمس كل ماهو جاد‏..‏ ويترتب علي ذلك ارتفاع اصوات الهذيان وافتعال المعارك والازمات‏..‏ حينما لايكون هناك مجال للجد يصبح من السهل جدا ان تجد الهزل في كل الأشياء‏..‏ في السلوك والابداع والاخلاق والسياسة والاقتصاد‏..‏ ان لغة الهزل هي التي تحتكر الساحة الآن ولهذا ينسحب كل شيء جاد‏..‏ وكانت نتيجة ذلك كله مانراه الآن في لغة الشارع ولغة الحوار واساليب التعليم والكتابة والتجاوزات التي وصلت الي درجة البجاحة في كل شيء‏,‏ حيث لاحدود لشيء ولاقيمة لأي شيء فقد تساوت القامات ولم نعد نفرق بين اشجار النخيل والحشائش‏..‏



يبقي امامي سؤال اخير وماهي نتيجة ذلك كله‏..‏ ان مانراه الآن جزء ضئيل من أخطاء وكوارث اكبر تهددنا اذا مضينا في هذا الطريق‏..‏ اول هذه الاخطار هو هذا الانقسام الرهيب في نظرة المجتمع والمواطن للأشياء‏,‏ نحن امام فريقين لاثالث لهما رغم ان افضل ما كان فينا هو ذلك التنوع الفريد في كل شيء أننا امام فريق يري ان الحرية تعني ان نقول كل شيء وأي شيء دون الالتزام بأي شيء من حيث الثوابت والأسس التي تقوم عليها الأشياء‏..‏ وهذا الفريق تساهل كثيرا في فتح الابواب فلم تعد الرواية رواية ولم يعد الشعر شعرا ولم يعد الغناء‏,‏ غناء وكانت النتيجة هذا الفراغ الرهيب في المواهب التي تعيشها مصر الآن ووجدنا انفسنا امام مجتمع فقد القدرة علي ان يحدد المواهب الحقيقية والمواهب الكاذبة وماهو سقف الحريات المطلوب‏..‏ وماهي حدود الانفلات المرفوض‏..‏



أما الفريق الثاني فقد خرج من الزمن والتاريخ ورجع بنا آلاف السنين للوراء في كل شيء‏..‏ أنه يرفض العصر بكل مقوماته‏..‏ وهنا وامام هذا الانقسام غابت مناطق كثيرة جدا ومساحات من الوعي والفكر والتنوع والثقافة‏..‏ وللأسف الشديد ان هذا هو حالنا الآن‏..‏ مابين فريق يري الحرية في الانفلات التام‏..‏ وفريق يري في الجمود الهدف والغاية‏..‏ وللأسف الشديد ان كليهما اختار الطريق الخطأ‏..‏ لأن مصر لم تكن يوما أرضا خصبة للجمود‏..‏ وفي نفس الوقت لاتصلح لان تكون وطنا للانفلات‏.‏




..‏ ويبقي الشعر





كم ظل يخدعني بريق الصبح في عينيك‏..‏

كنت أبيع أيامي ويحملني الدمار إلي الدمار‏..‏



قلبي الذي علمته يوما جنون العشق

علمني هموم الانكسار



كانت هزائمه علي الأطلال

تحكي قصة القلب الذي



عشق الرحيل مع النهار

ورأيته نجما طريدا



في سماء الكون يبحث عن مدار

ياسندباد العصر



عهد الحب ولي

لن تري في القفر لؤلؤة‏..‏



ولن تجد المحار‏..‏