Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : لا نستحق هذا الوطن

هوامش حرة

لا نستحق هذا الوطن

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة


 

فتحي سرور يا ويكا‏..‏ الكل يحبك حب الفرخة للديكا

أما حبك للقانون فهو في دمك وكلاويكا



أستاذ قانون ناجح لما تعرف شغل البولتيكا‏..‏

لأن مصر دايما في قلبك‏..‏ ليس لها شريكا



طلبة الحقوق بيقولوا

كلامك حلو وسكر‏..‏ وعامل زي المزيكا‏..‏



بهذه الكلمات الرديئة وقف رئيس وزراء مصر الأسبق د‏.‏علي لطفي يتحدث في حفل تكريم كبير لرئيس مجلس الشعب المصري د‏.‏فتحي سرور أقامة مواطن سعودي عاشق لمصر الثقافة والفكر هو د‏.‏ غازي عوض الله في واحد من أكبر فنادق القاهرة‏..‏



المناسبة هي تكريم الرجل الثاني في الدولة المصرية ورئيس مجلس الشعب لمدة‏19‏ عاما‏..‏ وهو عالم في القانون وأستاذ جامعي‏..‏ فهل هذا الكلام يليق برئيس وزراء مصر‏..‏ وهل هذا المستوي في اللغة واللفظ يليق برئيس البرلمان المصري وهل ذلك كله يليق بمصر الثقافة والريادة والدور‏..‏



والله إنها سقطة لا تغتفر‏..‏

حين قرأت هذه الكلمات ظننت للوهلة الأولي أنها نكتة ولكنني شاهدت في كل الصحف تقريبا صورة كبار رجال الدولة المصرية في صورة جماعية تضم أكبر رموز العدالة والقانون ومجلس الشعب في مصر‏..‏ المناسبة أمر عادي جدا فقد اعتاد صالون غازي الثقافي أن يكرم الفنانين والكتاب والصحفيين وحتي لاعبي كرة القدم وهو تقليد جميل‏..‏ ولكن التكريم هذه المرة وقع علي رئيس مجلس الشعب المصري‏..‏ ووسط جمع كبير تسابق أساتذة القانون وأعضاء مجلس الشعب ومسئولون كبار في مواقع مختلفة في الحديث عن إنجازات رئيس مجلس الشعب في حفل تكريمه‏..‏



وللأسف الشديد إن ما قيل في هذا الحفل لا يتناسب مع أهمية الشخص المكرم وجلال حفل التكريم الذي يليق بوطن كبير اسمه مصر‏..‏



في زمان مضي مازلت أذكر حفلات التكريم التي كانت تتزين برجال مصر ورموزها في الفن والإبداع والقانون والثقافة‏..‏ وكانت مرافعات رجال القانون المصريين دروسا في اللغة والرقي والترفع‏..‏ كان المحامي المصري يزلزل أرجاء المحاكم بكلماته الجميلة وحجته وإقناعه‏..‏ وكانت هناك علاقة عميقة جدا بين الأدب والقانون وما أكثر خريجي كليات الحقوق الذين حملوا رسالة الأدب والكلمة الجميلة والإبداع الخلاق‏..‏ وكان لقب رئيس وزراء مصر يهز أرجاء هذا الكون قيمة وبريقـا ودورا‏..‏ وكانت تصرفات وسلوكيات كبار المسئولين عندنا تعكس قيمة شعب وثقل دولة فمازلنا نتذكر رؤساء وزارات في مصر كانوا علي مستوي المسئولية شكلا وموضوعا‏..‏



ولكن الصورة الرفيعة للمسئولية في مصر انهارت وتراجعت في السلوك والأخلاق ولغة الحوار‏..‏



إن رجالات مصر كانوا يؤكدون وجه مصر الحضاري والثقافي والفكري‏..‏ وكان المواطن العربي ينظر إلي مصر علي أنها قبلة الثقافة العربية وزادها الحقيقي ويري فيها الحلم والملاذ‏..‏



إن حفل التكريم أقامه مواطن سعودي وأستاذ جامعي وفي هذا الحفل جلس السفراء العرب وعدد من كبار المثقفين من مصر والدول العربية وكان المفروض أن يشاهد هؤلاء حفل تكريم يليق برمز من رموز مصر بحكم المسئولية والقيمة والمكانة‏..‏ وكان ينبغي أن يكون الكلام محسوبا والألفاظ مختارة‏..‏ ولهذا كان أمرا غريبا أن تتسلل مثل هذه الألفاظ في حفل عام أمام شاشات التليفزيون والصحافة وأجهزة الإعلام‏..‏ هذا الحفل سوف يشاهده الملايين علي امتداد الساحة العربية‏..‏ وسوف يضحك هؤلاء جميعا علي ما وصل إليه حال المصريين أصحاب الريادة‏..‏



كان أحمد شوقي أمير الشعراء العرب وكانت قصائد شوقي تهز أرجاء هذه الأمة وتزلزل أركانها وهو يشدو بشعره في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام وفي الأحداث الكبري التي لحقت بهذه الأمة‏..‏ وكان حافظ إبراهيم شاعر النيل العملاق وكانت لغة المصريين رفيعة في كل شيء سلوكـا ولفظـا‏..‏



ذات ليلة كنت أتحدث مع مثقف سعودي من الأجيال القديمة التي عاشت العصر الذهبي للثقافة المصرية‏..‏ قال لي‏:‏ عندما زار عميد الأدب العربي د‏.‏طه حسين المملكة العربية السعودية في نهاية الأربعينيات استقبله السعوديون كما يستقبلون رؤساء الدول وكان حدثـا من أكبر الأحداث السياسية والثقافية في بلادنا‏..‏ لأن طه حسين في مكة وحين زار طلعت حرب السعودية لافتتاح فرع لبنك مصر‏..‏ كانت زيارته حديث كل بيت في السعودية‏..‏ كانت هذه هي مصر طه حسين وطلعت حرب‏..‏



إنني أتعجب من الجرأة التي اندفع فيها رئيس وزراء مصر الأسبق د‏.‏ علي لطفي الأستاذ الجامعي ومعلم الأجيال لكي تخرج من فمه هذه الكلمات‏..‏ إن الكلمات أكثر من رديئة‏..‏ وهي قبل أن تكون إساءة للغة العربية فهي اساءة للسلوك العام والذوق العام وقبل هذا كله أن الرجل مازال يحمل اسم المنصب الذي تولاه يوما والكرسي الذي جلس عليه حين كان رئيسا لوزراء مصر هل تصدقون‏!‏



كيف بالله تشجع رئيس وزراء مصر وقال عن رئيس مجلس الشعب فتحي سرور ياويكا‏..‏ الكل يحبك حب الفرخة للديكا‏..‏ ومن هي الفرخة ومن هو الديك‏..‏ هل الشعب المصري هو الفرخة ورئيس المجلس هو الديك‏..‏ وهل هذا الكلام يليق من رجل مسئول في حفل يجمع كل هذا العدد من كبار المسئولين في الدولة ثم بعد ذلك يقول الأستاذ الجامعي ومعلم الأجيال في قصيدته العنترية‏..‏ أما حبك للقانون فهو في دمك وكلاويك كلامك حلو وسكر وعامل زي المزيكا‏..‏



ما هذا الحب الذي يسري في كلاوي رئيس مجلس الشعب المصري حسب ما قال رئيس وزراء مصر الأسبق‏..‏ وإذا كان رئيس برلمان مصر هو الديكا فماذا عن بقية أعضاء المجلس خاصة من الحزب الوطني حزب الأغلبية لقد أساءت هذه الكلمات لرئيس مجلس الشعب إساءة بالغة‏..‏



لقد حزنت كثيرا وأنا أقرأ هذه الكلمات القبيحة في الصحف المصرية‏..‏ وحزنت للمستوي الذي وصلت إليه اللغة العربية علي يد رائدة الثقافة العربية مصر كنانة الله في أرضه‏..‏



وحزنت أكثر لأن بعض المسئولين عندنا فقدوا بوصلة الاتجاه الصحيح والموقف السليم حتي في لغة الخطاب وحزنت لأن أبناءنا الصغار الذين نطالبهم بأن يزدادوا حبا للغتهم وثقافتهم يسمعون هذا الكلام الرخيص ويرددونه في مدارسهم ومجالسهم‏..‏ كنت أتمني لو أن أستاذا من أساتذه القانون الذين حضروا حفل التكريم أرسل بلاغـا للنائب العام يطالب فيه بتوجيه اتهام بإفساد الذوق العام في هذه الكلمات‏..‏



نحن نتباكي كثيرا الآن علي انحدار مستوي اللغة العربية في مدارسنا وبيوتنا ووسائل إعلامنا‏..‏ ونتباكي علي تراجع سلوكيات الناس في الشارع ونشعر بالحزن الشديد لأن لغة الحوار تعيش الآن أسوأ أيامها‏..‏ وإذا كان هذا هو مستوي اللغة ومستوي الحوار ومستوي السلوك فيجب أن نقول علي الأرض السلام‏..‏ أننا في حاجة إلي أن نراجع أنفسنا بأمانة شديدة في كل شيء لأن ما وصلت إليه الأحوال يحتاج عملية إنقاذ سريعة حتي لا نفيق بعد فوات الأوان‏..‏



لن يكون غريبا أن نجد هذه الكلمات التي أبدعها رئيس وزراء مصر الأسبق في حفل تكريم رئيس مجلس الشعب علي شريط كاسيت وأغنية شبابية مليئة بالفراخ والديوك وهي تتراقص علي شاشات الفضائيات العربية‏..‏



هذا الحفل إهانة لرئيس مجلس الشعب ورئيس وزراء مصر الأسبق وإهانة لكل المصريين‏..‏



لا تغضبوا مني إذا قلت‏..‏ نحن لا نستحق هذا الوطن‏..‏






..‏ ويبقي الشعر




في كل صباح يرسمني ضوء المرآه

أبتسم قليلا في وجهي

أسأل عن شيء من زمن

ما عدت أراه



طفل غادرني ذات مساء

وتوارت كالعمر خطاه

لكني مازلت أغني

إن عادت تشرق في عمري



يوما عيناه

يحملـني صوت مثل النهـر

إذا فاضت في الأرض يداه

يحملني نبض مثل الحب



إذا طافت يوما ذكراه

في كل صباح تـغمرني نـسمات الصيف

تـغسلني‏..‏ تـمسح عن وجهي

أشباح الزيف



أخـلع عن رأسي شبح الموت‏..‏

فتلـقاني أشـباح الخوف

أبتسم قليلا في وجهي

يظهر في عيني جلاد



يحتضن السيف

فأطأطيء في ألم رأسي

والعالم يرسم من حولي ألوان الطـيف

في كـل صباح



تصفـعني أخبار جريده

صور الجرذان عـلي الأوراق تـحاصرني

فتـموت قـصيده


'‏ '‏ قصيدة في كل صباح سنة‏1998'‏‏