Loading

الاثنين، 1 فبراير، 2010

المعذبون في الأرض

هوامش حرة

المعذبون في الأرض

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




من اخطر الظواهر الاجتماعية في مصر الآن ذلك التفاوت الرهيب في المستوي الاقتصادي بين أبناء المجتمع الواحد‏..‏ لقد اتسعت المسافات بضراوة بين من يملكون كل شيء ومن لايملكون أي شيء وفي الوقت الذي يزداد فيه كل يوم اعداد من لايملكون فقد غاب في وسط هذا كله عامل أساسي وهو الدور الاجتماعي والإنساني لمن يملكون‏..‏ وأمام هذا تلاشت أمام الضغوط الاجتماعية طبقات بينما تهشمت طبقات أخري وبدأ المجتمع يتآكل أخلاقيا و سلوكيا أمام غياب العدالة وافتقاد الرحمة‏..‏



لقد انكسرت الطبقة المتوسطة وهي تمثل العمود الفقري للمجتمع فكريا وثقافيا وإنسانيا‏..‏ وتراجعت فئات أخري كان لها دورها الأساسي في حياتنا الاقتصادية‏..‏ بينما طفت علي السطح قلة قليلة لا اسم لها ولا عنوان فلا هي طبقة اجتماعية‏..‏ ولاهي فئة صاحبة دور ورسالة‏..‏ ولاهي نخبة مميزة في الفكر والسلوك ولكنها نباتات عشوائية تشبه الطحالب التي أفسدت ماء النهر ولوثت مجراه‏.‏ وكان من ألطبيعي في ظل هذا ان تختفي القيم وتغيب الثقافة‏..‏



هنا لابد أن نعترف أن الفلاح المصري لقي أهمالآ شديدا في السنوات الأخيرة والفلاحون هم الطبقة التي فقدت الكثير من تميزها وواجه الفلاح المصري ظروفا صعبة للغاية علي كل المستويات‏..‏ لقد غاب صوته رغم نص في الدستور يتحدث عن‏50%‏ للعمال والفلاحين في مجلس الشعب والشوري‏..‏ ثم اختفت كل البنود التي تتحدث عن حقوق الفلاحين في ظل ماكان يسمي يوما بالقوانين الاشتراكية‏..‏ ثم صدرت قوانين غيرت شروط وقواعد ملكية الأراضي الزراعية في الريف وعاد الفلاح مرة أخري أجيرآ أمام ملاك الأراضي القدامي والجدد‏..‏ وأمام الأحاديث عن المواقع الاجتماعية والخريطة الجديدة لابناء الاكابر وأبناء غير اللائقين اجتماعيا أصبح من الصعب جدا الآن ان يتسلل شاب ريفي متفوق ليحصل علي فرصة عمل مميزة خاصة أن طوابير البطالة لاتترك فرصة لأحد حيث يتم اقتطافها أولا بأول لأبناء المسئولين والمحظوظين وتوابعهم‏..‏ والأغرب من ذلك أن الفلاح المصري ألان غائب في كل المناسبات قليلا مانراه علي شاشات التلفزيون او المناسبات العامة واحتفاليات الحكومة حتي ماكان يسمي عيد الفلاح اصبح لاوجود له الأن‏..‏



وأمام هذا غاب دور الفلاح المصري تماما وبعد فترة ازدهار عاشها بعد ثورة يوليو في الاتحاد الاشتراكي وهيئة التحرير والاتحاد القومي وتمليك الاراضي وقوانين الاصلاح الزراعي وعقود التمليك والأغاني والافراح والليالي الملاح وجد نفسه مهمشا يبحث عن شيكارة سماد او بذور او قرض من بنك التسليف الزراعي واصبح عالة علي المدينة يشتري منها الخبز والطعام‏..‏ وأصبح هدفا مستباحا أمام التجار والسماسرة من كل لون واتجاه‏..‏



وفي الوقت الذي تجد فيه كل فئة من فئات المجتمع من يدافع عنها فأن الفلاح المصري أصبح ألان بعيدا عن كل شيء انه يعيش هناك وحيدآ حيث لاصوت ولاوجود ولا اهمية‏..‏ انه صاحب الحق الضائع‏..‏ في القاهرة نقابات تدافع عن أبنائها وهناك أجهزة إعلام يصرخ فيها الجميع‏..‏ وهناك محاكم وقضاة وسلطة‏..‏ والويل كل الويل لمن كان بعيدا عن كراسي السلطة‏..‏ هناك فئات تحميها مصالحها مع السلطة وهناك فئات أخري تخشاها السلطة حيث لها ضجيج وصراخ وهناك فئات من أصحاب الصوت العالي‏..‏ وكل هذا يتجمع في العاصمة حيث تدور كل الصراعات وكل المصالح‏..‏ وكل الحسابات‏..‏ وإذا بحثت عن الأحزاب في الأقاليم فلن تجد لها صوتا‏..‏



وهنا جلس الفلاح المصري وحيدا يراقب من بعيد ما يحدث منذ تغيرت كل الأشياء حوله‏..‏ ولم يعد له مكان في هذا المجتمع الظالم الذي أعاده مرة أخري لزمان الرق والعبودية‏..‏


*‏ أن بنك التسليف الزراعي يستبيح كل يوم دماء الفلاح المصري إنه يقدم له القروض بفوائد مرتفعة وإذا تأخر في السداد لسبب أوآخر فإن السجن ينتظره‏..‏ وعندما فكرت البنوك المصرية في مواجهة مشاكلها مع المتعثرين فقد استبعدت تماما ديون الفلاحين الذين يزيد عددهم علي‏130‏ ألف فلاح لايجدون من يرفع صوتهم للمسئولين ولا حل أمامهم غير الدفع أوالسجن ولم يجد الفلاحون برنامجآ لتسوية ديونهم مع بنك التسليف أسوة بما حدث في البنوك الأخري مع المتعثرين‏..‏


*‏ لقد وزعت الحكومة علي الفلاحين بذور القطن المصري الملون طويل التيلة ولأن البذور غير صالحة طغي اللون الأحمرعلي إنتاج القطن ورفضت الحكومة استلام المحصول وبعد أن كان سعر الطن‏1300‏ جنيه انخفض الي‏700‏ جنيه ولايجد حتي الأن من يشتريه‏..‏ ونام القطن قتيلا في بيوت الفلاحين فلاهم قادرون علي بيعه وليس هناك أحد يشتريه‏..‏ وأصبحوا عاجزين عن سداد مستحقات بنك التسليف الزراعي لأنهم فشلوا في بيع المحصول وبعد أن كان القطن المصري أهم سلعة تصديرية أصبح الأن عبئا ثقيلا علي الفلاح والدولة في وقت واحد‏..‏


*‏ من أكثر الأشياء غرابة أن الحكومة فشلت في تثبيت أسعار السلع كل السلع تقريبا ابتداء بالحديد والاسمنت وانتهاء بأسعار السكر والأراضي ولكن السلعة الوحيدة التي استطاعت الحكومة فرض أسعارها وتثبيتها بالقوة هي المحاصيل الزراعية سواء كانت لحسابها او حساب القطاع الخاص‏..‏ إن الحكومة تحدد أسعار المحاصيل الزراعية والويل كل الويل لمن لايلتزم بذلك وفي الوقت الذي تحرص فيه الحكومة علي تثبيت أسعار المحاصيل الزراعية فإن أسعار البذور والأسمدة تتغير كل يوم حتي أن أسعار سلفات النشادر والنترات واليوريا ارتفعت في الأسابيع الأخيرة من‏33‏ الي‏55‏ جنيها‏..‏ وهذا ظلم فادح خاصة أنها تركت القطاع الخاص يرفع أسعار البذور والاسمدة كما يريد يضاف الي ذلك أن الحكومة خفضت ميزانية وزارة الزراعة من مليار و‏300‏ مليون جنيه الي‏500‏ مليون جنيه فقط‏..‏ وقد انعكس ذلك علي احوال الفلاحين بصورة عامة‏.‏


*‏ لقد باعت الدولة مئات الألاف من الأفدنة في الاراضي الصحراوية بسعر‏200‏ جنيه للفدان وأخذ رجال الأعمال هذه الأراضي وتاجروا فيها وباعوها بالملايين في صورة فيلات وقصور وعمارات سكنية‏..‏ ولكن الحكومة الرشيدة تضع حسابات أخري وأسعار مرتفعة للفلاحين الذين استصلحوا الاراضي وزرعوها فهي تحاسبهم بسعر‏30‏ ألف جنيه للفدان‏..‏ إن الفلاح هو الأحق بهذه الاراضي لأنه يزرعها ويحولها الي مساحات خضراء‏..‏ أما هؤلاء الذين حصلوا عليها بأبخس الأسعار فقد باعوها وأقاموا عليها كتلا خرسانية قبيحة ولاأدري علي أي أساس نحرم الفلاح المصري من ارض أصلحها وزرعها أن يمتلكها بالسعر المناسب‏.‏


*‏ أصبح توصيل الكهرباء والمياه في المناطق الجديدة المستصلحة الأن عبئا كبيرا أمام ارتفاع التكاليف فقد زادت بنسب ترواحت بين‏50%‏ و‏100%‏ رغم أن الحكومة تقوم بتوصيل كل الخدمات والمرافق والبنية الأساسية لرجال الأعمال في المدن الجديدة ومشروعات مثل توشكي وغرب التفريعة‏..‏ والأغرب من ذلك أنها تقدم آلاف الأفدنة للجامعات الخاصة بدون مقابل رغم أنها مشروعات استثمارية تكسب الملايين‏..‏ فمن كان الأولي بالرعاية فلاح استصلح لنفسه بضعة قراريط أم حيتان الجامعات والمشروعات الخاصة وكبار المسؤلين الذين حصلوا علي الاراضي بأسعار رمزية؟‏.‏


*‏ نأتي بعد ذلك إلي قضايا الخدمات والصحة ومياه الشرب والتعليم وكوارث انفلونزا الطيور والمبيدات المسرطنة التي دمرت صحة الفلاحين أنني ارفع صوت الفلاح المصري الي حكومتنا الرشيدة التي لم تعد تسمع احدا علي الاطلاق وأصبحت تسير باندفاع مثل قطار التوربيني وأخشي أن يكون القطار بلا فرامل‏..‏ واذا كان للعمال اتحاد كبير يرفع صوتهم وللمهنيين عشرات النقابات ولرجال الأعمال أتحادات وتجمعات في الداخل والخارج وإذا كان لكل فئة في مصر جهة تدافع عنها فلماذا لايقام اتحاد أو نقابة للفلاحين بشرط أن تكون بعيدة عن بنك التسليف ألزراعي والجمعيات التعاونية وكل ماله علاقة بالحكومة‏..‏ الفلاحون في مصر أكثر من‏35‏ مليون مواطن أي مايقرب من نصف سكان المحروسة وهم غائبون منذ سنوات عن ذاكرة المصريين حكومة وشعبا فمتي يعود هؤلاء الي بلادهم؟ ان اهمال الفلاح المصري وتهميش دوره وحياته خطيئة كبري ربما ادركنا اثارها بعد فوات الأوان‏.‏



..‏ ويبقي الشعر



ماذا في رأسك خبرني‏..‏

أزمان عبرت‏..‏



وملوك سجدت‏..‏

وعروش سقطت‏..‏



وأنا مسجون في صمتك

أطلال العمر علي وجهي



نفس الأطلال علي وجهك

الكون تشكل من زمن



في الدنيا موتي‏..‏ أو أحياء

لكنك شيء أجهله



لا حي أنت‏..‏ ولاميت

وكلانا في الصمت سواء



اعلن عصيانك

لم أعرف لغة العصيان‏..‏



فأنا إنسان يهزمني قهر الإنسان‏..‏

وأراك الحاضر والماضي



وأراك الكفر مع الإيمان

أهرب فأراك علي وجهي



وأراك القيد يمزقني‏..‏

وأراك القاضي‏..‏ والسجان‏..‏