Loading

الاثنين، 1 فبراير، 2010

محاولة للفهم

هوامش حرة

محاولة للفهم

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



في أحيان كثيرة تبدو حكومتنا الرشيدة في غاية الرحمة والإنسانية مع بعض الناس‏..‏ وفي أحيان أخري تبدو قاسية عنيفة ضد البعض الآخر‏..‏ ولا توجد لدي الحكومة مقاييس واضحة لأسباب الرحمة أو العنف فقد تصادر أموال البعض وتسقط ديون البعض الأخر‏..‏ وقد تعتقل البعض وتترك البعض الأخر يعربد كيفما شاء‏..‏ والحكومة تفعل ذلك كله دون أن تستشير أحدا أو تسمع أحدا فهي تتصرف في كل شيء علي هواها مثل الوارث الذي يفعل كل ما أراد بما ورث‏..‏



أقول ذلك وأنا أتابع قرارا غريبا صدر أخيرا بإسقاط الديون التي تتراوح بين جنيه ومليون جنيه عن رجال الأعمال المتعثرين إذا قام صاحب الدين بسداد نسبة محددة من قيمة الدين وطبقـا للتفاصيل المعلنة من البنك المركزي إذا كنت مدينـا بمبلغ‏500‏ ألف جنيه لأحد البنوك فإن البنك يحصل فقط علي‏150‏ ألف جنيه أي بنسبة‏30%‏ ويسقط‏350‏ ألف جنيه أي بنسبة‏70%‏ في حالة السداد الفوري‏..‏ وإذا كان الدين مليون جنيه فإن البنك يسقط‏750‏ ألف جنيه إذا قمت بسداد‏250‏ ألف جنيه أي‏25%‏ من حجم الدين‏..‏ وقد هللت وسائل الإعلام لهذا القرار الرحيم الذي أسقط أكثر من مليار جنيه عن عدد كبير من الأشخاص ولاشك أن للقرار جوانب إيجابية كثيرة لا يمكن تجاهلها في حل أزمة المتعثرين الصغار ولكنني أجد أمامي هذا السؤال‏..‏ علي أي أساس تم تحديد هذه الشرائح المدينة‏..‏



ولماذا تطبق علي هذا الحجم من الديون وهل هذه المبالغ هي أصل الدين فقط بدون الفوائد أم إنها تشمل الفوائد أيضا‏..‏ وهل من حق البنوك أن تتنازل عن أموال لا تملكها إننا جميعا نعلم أن أموال البنوك هي أموال المواطنين وفي البنوك المصرية أكثر من‏600‏ مليار جنيه ودائع وحسابات تخص هؤلاء المواطنين‏,‏ وفي كل الأعراف فإن البنك ليس أكثر من مؤسسة تدير هذه الأموال وتعيد استثمارها وتوظيفها ولكنها لا تملك هذه الأموال فهل من حق البنوك أن تتصرف فيما لا تملك‏..‏ هذا هو السؤال الأول‏..‏



أما السؤال الثاني فهو هل أحيطت المؤسسات التشريعية ممثلة في مجلس الشعب والشوري علما بهذا القرار‏..‏ أن إسقاط الديون عن مؤسسة من المؤسسات العامة لا يجوز إلا بموافقة مجلس الشعب وهذا ما يحدث الآن مع ديون المؤسسات الصحفية واتحاد الإذاعة والتلفزيون وقد رفضت الحكومة إسقاطها فكيف تجاوزت الحكومة والبنك المركزي هذا المحظور وأصدرت هذا القرار وماذا سيحدث لو طلبت جهات أخري كثيرة سريان هذا القرار عليها‏..‏



أما السؤال الثالث فهو لماذا أقتصر قرار إسقاط الديون علي المبالغ التي تتراوح بين جنيه ومليون جنيه ولأصحاب المشروعات المتعثرة فقط دون بقية المدينين بمعني أن هناك شباب أستخدم الفيزا كارت وعليه‏500‏ جنيه أو ألف جنيه ولا يشمله هذا القرار وهو مدين للبنك مثل صاحب المشروع المتعثر تماما ولكن الفرق بينهما أن الثاني ربما أستخدم الفيزا كارت وأقام مشروعا صغيرا فلماذا لا نطبق هذا القرار علي المقترضين الصغار مثل المتعثرين‏..‏ وهل يمكن أن يلجأ هؤلاء للقضاء لطلب المعاملة بالمثل‏..‏



هذه التساؤلات تضع الإنسان في حيرة أمام الحكومة والبنك المركزي والبنوك المصرية‏..‏



أما الحكومة فلا أدري من اين هبطت عليها كل هذه المشاعر النبيلة والرحمة أمام المتعثرين المدينين للبنوك وهناك ملايين العمال في مصر الذين يطالبون بجنيهات قليلة كبدل طبيعة عمل ولا يسمعهم أحد وكان أخرهم سائقو القطارات الذين يموتون تحت عجلاته أو بالطوب الذي ينهال عليهم في كابينة القطار‏..‏ هناك طبيب يحصل علي راتب‏150‏ جنيها ومدرس يحصل علي نفس المبلغ وربما أقل وهناك خفير تعينه وزارة الداخلية بمبلغ‏30‏ جنيها في الشهر‏..‏ ولكن هذا الخفير لو كان منذ عام قد ذهب إلي أحد البنوك وأخذ مليون جنيه قرضا وقرر بعد ذلك أن يتعثر فإن معني ذلك أنه خرج من هذه اللعبة بمبلغ‏750‏ ألف جنيه مرة واحدة وفي حماية الدولة يضاف لذلك ملايين الفلاحين الذين اقترضوا من بنك التسليف الزراعي وتكدست عليهم الديون لأن الحكومة لا تشتري محاصيلهم‏..‏



أما البنك المركزي صاحب القرار فيجب أن نسأله كيف سيقوم بسداد هذه المبالغ‏..‏ لقد أعلن محافظ البنك د‏.‏ فاروق العقدة أن قطاع الأعمال مدين للبنوك بمبلغ‏26‏ مليار جنيه تم سداد‏16‏ مليارا منها وبقي‏10‏ مليارات جنيه لم تسدد حتي الآن وقال أن سداد ديون المتعثرين الصغار للبنوك سوف تسدده الحكومة من حصيلة الخصخصة وإنها قدرت لذلك مبلغ‏10‏ مليارات جنيه وهذا أيضا يعني أن الحكومة تبيع ممتلكات الشعب لكي تسدد ديون المتعثرين وهذه أيضا مخالفة قانونية ودستورية وإنسانية فليس من حق الحكومات أن تبيع المصانع والأراضي والمنشآت لكي تسدد ديون بعض الأشخاص‏..‏ إن الحكومة بذلك تمنح حقوق الأغلبية من المواطنين لمجموعة أفراد تعثروا‏..‏ كما أنها تبيع مشروعات منتجه لكي تسدد خسائر مشروعات فاشلة‏..‏ وقبل هذا كله فإن هذا المبدأ يمثل خللا خطيرا في موازين العدالة بين المواطنين‏..‏



أما البنوك التي قامت بهذه العملية فإنها بكل المقاييس قد أسقطت مع الديون جانبا أهم وهو ثقة المودعين فيها لأنها ستحاول تعويض خسائرها علي حسابهم من خلال تخفيض أسعار الفائدة علي الودائع ورفع أسعار الفائدة علي القروض‏..‏ والغريب في الأمر أن كل هذه القرارات والأرقام قد صدرت بطريقة هولامية فلا حد قال لنا ما هو حجم ديون المتعثرين الصغار الذين شملهم هذا القرار وما هي نوعيات نشاطهم وهل يمكن أن تتسلل في هذه الزحمة أسماء أخري لا علاقة لها بالمشروعات التي نص عليها القرار‏..‏



لماذا لا يوضح لنا المسئولون في البنوك حقيقة ما حدث في السنوات الأخيرة في الجهاز المصرفي في قضايا الديون والتعثر والسداد سواء بين من ظلوا في مصر أو هربوا منها‏..‏ لماذا لم يوضح لنا المسئولون في البنك المركزي حجم الديون التي سيتم إسقاطها وعلي أي أساس سيتم تقدير ذلك‏..‏



بقيت بعد ذلك كله نقطة هي في تقديري أخطر ما في هذا القرار وهي هل هذا القرار مقدمة لتطبيق نفس القواعد علي كبار المتعثرين‏..‏ بمعني هل إسقاط هذه النسبة من حجم الدين يمكن أن يطبق علي المتعثرين الكبار سواء الهاربون منهم أو المقيمون‏..‏ وما الذي يمنع من سريان المبدأ مادام قد أجيز‏..‏ أن المدين أمام البنك هو المدين لا خلاف بين من اقترض مليون جنيه ومن اقترض مليار جنيه وإذا كانت هناك قواعد عامة تحكم التعامل فسوف تطبق علي الجميع‏..‏ وهنا يكون المسئولون في الحكومة والبنك المركزي والبنوك المصرية قد ارتكبوا كارثة في حق هذا الشعب لأن هذا يعني أن المتعثرين الكبار الذين أخذوا المليارات من البنوك لن يعيدوها مرة أخري وسيكون المطلوب من المتعثر الكبير أن يدفع للبنك‏300‏ مليون جنيه إذا كان مدينـا بمليار جنيه وأن يدفع مليار جنيه إذا كان مدينـا بخمسة مليارات‏..‏



وهنا أريد أن أسأل رئيس الحكومة د‏.‏ أحمد نظيف ومحافظ البنك المركزي د‏.‏فاروق العقدة‏..‏ هل سيطبق قرار المتعثرين الصغار علي الهاربين الكبار وما هي الضمانات إلا يحدث ذلك خاصة أن جميع المفاوضات والتسويات تتم في سرية مريبة‏..‏ وهل من حق أحد من هؤلاء أن يلجأ للقضاء ويطلب التحكيم والمعاملة بالمثل‏..‏ وهل من العدل والحكمة أن نبيع ممتلكات الشعب المصري لنسدد بها ديون الهاربين والمتعثرين الصغار منهم والكبار‏..‏ وأيهما كان الأفضل ان نعيد أقراض هؤلاء حتي يتجاوزا أزماتهم أم نسقط عنهم الديون لتتحملها الدولة ونحرمهم من التعامل مع البنوك خمس سنوات كاملة حسب ما جاء في القرار‏..‏



إن حصيلة برنامج الخصخصة كما سمعنا من الحكومة سوف توجه إلي مشروعات الخدمات وهذا أضعف الإيمان لأن المفروض أن تقام بها مشروعات تضيف لنا إنتاجا وعماله وموارد جديدة‏..‏ وليس من المنطقي أو الأخلاقي أن نبيع المشروعات لكي نسدد بها ديون قلة مغامرة سواء أقامت أم هاجرت‏..‏ أن كل مواطن مصري سوف يندم الآن لأنه لم يحصل علي قرض أو‏'‏ هبرة‏'‏ كبيرة من أحد البنوك ويقرر بعد ذلك أن يتعثر حتي لا يسدد ما عليه بعد أن جاءه الفرج علي يد المسئولين في هذا القرار العجيب الذي يطبق شعار أنت تقترض وتتعثر والحكومة تبيع ممتلكات الشعب وتدفع‏..‏



بقيت عندي نقطة أخيرة‏..‏ أرجو أن يعلن محافظ البنك المركزي علي الملأ حجم الديون التي لم تستطع البنوك استردادها من المتعثرين الكبار والصغار حتي الآن لأن هذه الأموال ملك للشعب وليست ملكـا للحكومة أو أباطرة البنوك‏..‏ إن أخفاء هذه الحقائق مهما كانت الأسباب أهدار لحق الشعب ومثل هذه القرارات ينبغي ألا تتم خلف الكواليس وفي الغرف المغلقة لأنها تفتح أبوابا كثيرة للهواجس والظنون‏..‏



ويبقي عندي سؤال حائر للدكتور أحمد نظيف رئيس الحكومة بأي حق تسدد ديونـا علي أشخاص من حصيلة بيع ممتلكات الشعب‏..‏ وبأي حق يسقط محافظ البنك المركزي د‏.‏ فاروق العقدة ديونـا هي حق للمودعين‏..‏ وبأي حق تتنازل البنوك عن أموال لا تملكها‏..‏ إنها محاولة للفهم‏..‏ فهل أجد لديكم إجابة‏..‏



‏..‏ ويبقي الشعر

قبيح وجهك المرصود في عيني آلاما وأحزانا

شربت دماءنا زمنا‏..‏ فهل مازلت ظمآنا؟‏!‏

أنا الطوفان يا ملعون‏..‏

هل شاهدت قبل اليوم طوفانا

أنا النيران يا عربيد

هل حاربت قبل اليوم نيرانا

أنا غضب

يزلزل في قلاع القهر أركانا‏..‏ فأركانا

ويمحو الآن أشباحا محنطة وأحلافـا‏..‏ وتيجانا

ويسقط من عروش الظلم كهانـا‏..‏ وكهانا



أنا حقد الليالي السود أضحي الآن بركانا

أنا الأشلاء‏..‏ والموتي‏..‏ وأنـات مبعثرة

تـزمجـر في بقايانا

أنا من طين هذي الأرض

أعرفها‏..‏ وتعرفني

وأسكنها‏..‏ وتسكنـنـي

ويجري حبها المجنون نهرا في حنايانا

أنا العمر الذي ولــي‏..‏

أنا الفجر الذي هل

ليحيي كل ما كانا‏...‏



‏fgoweda@ahram.org.eg‏