Loading

الخميس، 11 فبراير، 2010

هوامش حرة : هذه ليست صحافة مصر‏..‏

هوامش حرة



هذه ليست صحافة مصر‏..‏



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة







ماذا حدث للصحافة المصرية‏..‏ ماذا أصاب صاحبة الجلالة التي توجت مصر زمنـا طويلاعلي عرش الثقافة العربية‏..‏ إن ما يجري الآن في صحافتنا يحتاج إلي وقفة أمينة وصادقة قبل أن يصبح العلاج أمرا صعبا بل مستحيلا‏..‏ علي المستوي المهني انحدر الأداء الصحفي إلي درجة غير مسبوقة فما أسهل الآن أن يجلس شاب ويمسك قلما ويؤلف حكاية أو جريمة لا أساس لها من الصحة‏..‏ وعلي المستوي الاخلاقي انحدرت أخلاقيات المهنة والكل شاهد علي ذلك‏..‏ وعلي مستوي الدور والمسئولية الجميع يتساءل بحسرة‏:‏ أين دور الصحافة التي كانت يوما تهز أرجاء هذا الوطن بأقلام كتابها ورؤي مفكريها‏..‏



حينما تقرأ الصحف المصرية‏,‏ حزبية وقومية ومستقلة‏,‏ تصيبك حالة من الغثيان للمستوي الذي وصل إليه مستوي الحوار واللغة التي يستخدمها البعض دون حياء‏,‏ أو خجل والغريب في الأمر أن هذه اللغة ليست مقصورة علي الصحف الحزبية أو المستقلة ولكن الكارثة للأسف الشديد شملت الجميع بما في ذلك بعض الصحف القومية‏..‏



في الفترة الأخيرة شهدت الصحافة المصرية حالة من الانفلات في كل شيء وتكشفت أمامنا أشياء كثيرة ربما تهدد مستقبل صاحبة الجلالة دورا ومسئولية ومكانا‏..‏ لن أتحدث هنا عن السجال الدائر بين الصحف المستقلة والحكومة لأنني أري فيه ظاهرة إيجابية خاصة حينما تتفاعل الحكومة بكل مؤسساتها مع ما تطرحه هذه الصحف من قضايا خاصة تلك التي تتعلق بحياة الناس وهمومهم‏..‏ ولن أتحدث أيضا عن حالات كثيرة استطاعت فيها الصحافة القومية أن تضيء للحكومة الطريق نحو قرار أسلم وسياسات أكثر شفافية ووضوحا‏..‏ ولن أتحدث عن حالة من الصحيان أصابت المجتمع المصري في ظل أحساس المواطن بقدر من الحريات في التعبير عن فكرة ورأيه وهمومه‏..‏ ولكن هناك تجاوزات لا ينبغي أن نتجاهلها لأنها تهدد التجربة كلها وربما أطاحت بجوانبها الايجابية والسلبية معا وهنا أتوقف قليلا عند بعض هذه التجاوزات‏:‏


*‏ ما حدث في قضية مطربة مجهولة قتلت في دبي ومازالت القضية أمام المحاكم لا أعتقد أن هناك قضية أخذت كل هذه الصفحات من الصحافة المصرية بما في ذلك قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي واحتلال العراق‏..‏ كانت هناك مبالغات شديدة في تناول هذه القضية سلبا وإيجابا ولم يقتصر الأمر علي الصحافة ولكنه امتد إلي عشرات الفضائيات التي أفردت مئات الساعات لعرض القضية ومناقشتها‏..‏ وقد أدي الأمر في النهاية إلي صدور قرار من محكمة الجنايات بحظر النشر في هذه القضية وفي تقديري أن قرار الحظر كان قرارا حكيما لأن الصحافة كانت قد وصلت في القضية إلي درجة أن تكون هي المحاكم والقضاة والنيابة والشرطة وأن علينا أن نغلق كل هذه المؤسسات ونحاكم الناس أمام الصحفيين والمذيعيين وأبناء السبيل‏..‏ هذه ليست حرية صحافة ولا يوجد لها مثيل في أي مكان في العالم‏..‏ هناك حدود واضحة ومحددة بين دور الصحافة والإعلام ودور القضاء والنيابة والشرطة وعندما تتداخل الأدوار ويتحول المذيع إلي شاهد زور وتصبح الأقلام جلادا والسطور مشانق هنا لابد أن تكون لنا وقفة‏..‏ من حق الإعلام بل من واجباته أن يتابع القضايا ولكن أن يجعل من نفسه قاضيا ومترافعا وسجانـا‏..‏ فهذا أمر مرفوض‏..‏


*‏ ما حدث في قضية مقتل فتاتين في مدينة الشيخ زايد وعشرات الصفحات التي نشرت حول حياة كل فتاة وعلاقاتها وأسرتها وكيف خاضت الصحافة والإعلام بمنتهي القسوة في عرض الفتاتين‏..‏ هل هذه هي حرية الصحافة أن تنشر إحدي الصحف القومية‏!!‏ في صدر صفحتها الأولي صورة الفتاة القتيلة سابحة في دمائها‏..‏ هل هذه هي حرية الصحافة أن تكتب الصحف معلومات كاذبة عن مواد وضعها القاتل في رحم الفتاة وقطع لسانها‏..‏ هذه فضائح صحفية وليست عملا صحفيا لقد تكشف الوجه القبيح للعمل الصحفي في قضية هاتين الفتاتين‏,‏ محررون يكتبون أي تفاهات وأكاذيب ومسئولون ينشرون في الصفحات الأولي هذا الكلام الفارغ ثم نقول انها حرية الصحافة‏..‏


*‏ لا أوافق من حيث المبدأ علي مصافحة فضيلة الإمام الأكبر الشيخ طنطاوي لرئيس الدولة العبريه شيمون بيريز ولكن الخلاف مع شيخ الأزهر بصفته ومكانته ومنصبه له أسلوب وطريق وإذا أهدرنا قيمة الأزهر ممثلا في شيخه وأهدرنا واستبحنا كل الرموز ماذا سيبقي لنا بعد ذلك‏..‏ من حقنا أن ننتقد موقف الإمام الأكبر ونختلف معه إلي آخر مدي ولكن ليس من حق أحد أيا كان أن يهين الرجل ويهدر كرامته تحت دعاوي حرية الصحافة‏..‏ وماذا سيبقي لنا بعد ذلك وكيف نطلب من الشباب أن يكونوا نموذجا في الترفع في لغة الحوار واختلاف الرأي‏..‏


*‏ هناك بعض العنتريات الصحفية من الباحثين عن بطولات وهمية وللأسف الشديد أن ذلك يحدث في الصحف القومية والحزبية والمستقلة‏..‏ بعض هذه العنتريات يتجاوز كل القيم وهو يتحدث عن بعض رموز هذا البلد أن القضية ليست ان أكون صاحب رصيد أكبر في الشتائم ولكن أن أكون صاحب رصيد حقيقي في المصداقية ونبل الغاية والحرص علي تقاليد مهنة عريقة‏..‏


*‏ في محاورات بعض الزملاء الصحفيين كلمات مكانها المستنقعات ولا ينبغي أن تكون حروفـا في جريدة‏..‏ وللأسف الشديد أن هناك قاموسا جديدا يتداوله الآن البعض من الأجيال الشابة من المسئولين في بلاط صاحبة الجلالة ولا يقتصر علي الصحف المستقلة بل ان بعض الصحف القومية تنشر كلمات وتعليقات ومقالات مكانها شرطة الآداب وليس صحفـا تنفق عليها الدولة من أموال الضريبة العقارية‏..‏ للصحافة المصرية تاريخ عريق في رموزها ولغة الحوار فيها والقضايا الجادة التي تحترم عقل القاريء وفكره‏..‏ وما نراه ونقرؤه لا يمثل أبدا الوجه الحقيقي للصحافة المصرية‏..‏



إن الخوض في أعراض الناس وإهانة الرموز والكتابة الساقطة ونشر الأكاذيب والافتراء علي خلق الله‏..‏ كل هذا لا يدخل في نطاق الصحافة الشريفة المحترمة التي تعلمناها ومارسناها‏..‏


*‏ لا ينبغي أبدا أن تصبح مسئوليات الصحافة افساد علاقاتنا بالآخرين شعوبا ودولا وحكومات‏..‏ بل افساد العلاقة بين أبناء المجتمع الواحد بحيث تنشر الصفحات عن هذه أسلمت وهذا تنصر‏..‏ مثل هذه القضايا يجب أن تعالج بحكمة وموضوعية وحساسية شديدة وأن تسبق فيها سلامة الوطن الرغبة في الشهرة أو التشهير‏..‏



أنني أشفق علي الصحافة المصرية من هذا المستقبل الكئيب الغامض الذي ينتظرها في ظل سياسات وأشخاص وأقلام أفسدت تاريخ هذه المهنة العريقة‏..‏





‏fgoweda@ahram.org.eg‏






..‏ ويبقي الشعر





في كـل عام‏..‏

كـنت أنـتظر المواسم

قد تجيء‏..‏ وقـد تـسافر بعدما



تـلـقي فـؤادي للحنين‏..‏

وللظـنون‏..‏ وللضجر

في كـل عام‏..‏



كـان يحملني الحنين إليك

أغفـو في عيونك ساعة

وتـطل أشباح الوادع



نـقـوم في فـزع‏..‏

وفي صمت التوحد نـنـشطر

أنـت الفـصول جميعها



وأنـا الغريب علي ربوعك‏..‏

أحمل الأشواق بين حقائـبـي‏..‏

وأمام بابك أنتظر



أنت الزمان جميعه

وأنا المسافر في فصول العام‏..‏

تحملـني دروب العشق‏..‏



يجذبني الحنـين‏..‏

فأشـتـهي وجه القمر

وأظل أنتظر الرحيل مع السحاب‏..‏



وأسأل الأيام في شوق‏:‏

متـي‏..‏ يأتي المطـر ؟

قدر بأن نـمضي مع الأيام أغرابا



نـطارد حلمنـا

ويضيع منـا العمر‏..‏ يا عمري‏..‏

ونحن‏..‏ علي سفر


(‏ من قصيدة ألف وجه للقمر سنة‏1997)‏