Loading

الثلاثاء، 16 فبراير، 2010

هوامش حرة : غياب المثقف المصري

هوامش حرة



غياب المثقف المصري



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




كانت الثقافة المصرية أهم الدعائم التي قام عليها دور مصر طوال قرن كامل من الزمان كانت أدوار مصر الأخري سياسيا أو عسكريا أو اقتصاديا تخضع لحسابات كثيرة بين الصعود والهبوط والقوة والتراجع حسب موازين القوي في المنطقة‏..‏ ولكن الثقافة كانت دائما هي حصان مصر الرابح قوة وتأثيرا وقيمة‏..‏ ولاشك أن مصر لم تكتسب هذا الدور في ظل حسابات سياسية فرضتها أو واقع اقتصادي وصل بها إلي هذه النتيجة‏..‏ ولكن الدور الثقافي المصري كان مشروعا تراكميا صنعته ظروف تاريخية وإنسانية من خلال واقع ملموس وتجارب حية‏..‏



أقول ذلك وأنا أشعر بحزن شديد لما وصلت إليه حالات الانقسام في الصف العربي والتي جعلت البعض يتطاول علي مصر ويشكك في دورها ومسئولياتها وما قدمت لأشقائها في مشوار طويل من العطاء الإنساني الرفيع‏..‏ شيء يدعو للحزن أن يقف البعض الآن محاولا قلب موازين الأشياء وتشويه الأدوار والسطو علي أقدار الآخرين‏..‏ وإذا كان من الصعب علي هؤلاء تشويه معالم التاريخ حول ما قدمت مصر من دماء أبنائها وأموال شعبها لقضايا أمتها دون من أو ادعاء فإن دور مصر الثقافي كان ومازال وساما ينبغي أن تزهو به علي مر الزمان‏..‏ قد نكون نحن وليس غيرنا هو الذي تجاهل هذا الدور ونسيه أحيانـا بل ربما أساء إليه إلا أن ذلك كله لا يعني إنكار حقائق التاريخ‏..‏



وفي معارك الفضائيات الأخيرة في اعقاب الهجوم الوحشي علي غزة وأمام تبادل الاتهامات وصعود الكومبارس إلي مقدمة المسرح وغياب الأبطال الحقيقيين كانت المسرحية تدعو للحزن والأسي‏..‏ لقد غاب تماما وجه مصر الثقافي الذي كان دائما يمثل ضمير هذه الأمة ومصداقيتها‏..‏ كان المثقف المصري في مثل هذه الأزمات هو صاحب الكلمة القاطعة عملا‏..‏ وفعلا‏..‏ وتأثيرا‏..‏ ولكن للأسف الشديد خبا تماما هذا الصوت وتشوهت صورته وغاب دوره وكنا أحوج ما نكون لهذا الدور‏:‏



كانت كتيبة مصر الثقافية قادرة علي أن تسكت كل هذه الأكاذيب وأن تضع كل شيء في حجمه ومكانه‏..‏ ولكن مصر الثقافة غابت وغاب معها أهم أدوارها تأثيرا وإقناعا‏..‏ كلنا نعرف أن لهذا الغياب أسبابه‏..‏ بعض هذه الأسباب يقع علي الدولة التي هجنت الثقافة‏..‏ وبعض هذه الأسباب يتحمل مسئوليته نخبة من المثقفين‏..‏ والبعض الآخر جاءنا من الخارج واجتاح عقولنا في غفلة منا‏..‏



أول هذه الأسباب أن الدولة كانت وراء تهميش دور الثقافة المصرية‏..‏ ومنذ دخل فصيل منها حظيرة الدولة ومؤسساتها تراجع هذا الدور حيث كان البحث عن المناصب والغنائم والأموال هو هدف عدد كبير من مثقفينا الذين أغرتهم ثقافة المهرجانات والسفريات والمكافآت السخية‏..‏



في ظل هذا الصراع الدامي للوصول إلي الغنائم كان من السهل أن يتسلل فريق آخر وراء غنائم أخري قدمتها جهات مشبوهة تمثلت في مؤسسات دولية تحت شعارات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والجمعيات الخيرية والحوار مع الآخر‏..‏ ودخلت إسرائيل في هذا السباق واستطاعت أن تستقطب عددا كبيرا من المنظرين وأن تجند أقلاما وعقولا‏..‏ وهنا فتحت الجوائز المشبوهة أبوابها وبدأت سلسلة طويلة من المؤتمرات والاجتماعات والمنح والمكافآت تحت شعار السلام ولكنها كانت في حقيقتها تدميرا لدور مصر الثقافي الذي صنعته علي عينها‏..‏



وأمام مؤسسات أوروبية وأمريكية بل وعربية سال لعاب الكثير من المثقفين المصريين وتغيرت انتماءاتهم وأفكارهم وتشوهت مظاهر الولاء فيهم ووجدنا أموالا كثيرة تتدفق وتسقط أمامها أشياء كثيرة‏..‏



علي جانب آخر كان هناك غزو ثقافي من نوع آخر عاد بالمجتمع المصري إلي الوراء عشرات السنين واستطاع أن يدمر في طريقة كل ما أنجزته الشخصية المصرية في مشوارها الطويل مع كل مظاهر التقدم والتحضر والاستنارة‏..‏



وما بين غنائم الدولة‏..‏ وغنائم الدعم المدني والغنائم العربية‏..‏ وإغراءات شعارات السلام والسفارات‏..‏ وأموال العائدين للماضي السحيق تشرزمت الثقافة المصرية وتوزعت أدوار المثقفين ولم يبق إلا قلة قليلة لم يجرفها الطوفان وإن كانت قد أصبحت هدفـا للجميع تتوجه إليها السهام من كل جانب‏..‏



وكان من نتيجة ذلك كله هذا الانقسام الرهيب في صفوف المثقفين المصريين والذي وصل أحيانـا إلي تشويه صورة الثقافة المصرية بكل تاريخها‏..‏



وكان من سوء الطالع أن يغيب الموت عددا كبيرا من رموز مصر الثقافية طوال السنوات الماضية في الفكر والفن والإبداع والصحافة والإعلام‏..‏ كان رحيل هذه النخبة أكبر كارثة تعرضت لها الثقافة المصرية من حيث الدور والقيمة والأثر‏..‏ والمؤسف في الأمر أن المناخ لم يشجع ظهور مواهب جديدة واعدة تملأ شيئـا من هذا الفراغ‏,‏ كما أن هرولة النخبة المثقفة نحو غنائم سريعة جعلها تتخلي عن دورها الحقيقي في تشكيل مناخ جديد قادر علي فتح آفاق جديدة لأجيال واعدة‏..‏ أمام هذا الفراغ السحيق غاب دور الثقافة المصرية برموزها وتأثيرها‏..‏ شجع علي ذلك أيضا سياسة المهرجانات والمظهرية الساذجة التي لا تحمل دورا ولا رسالة وتحولت الثقافة المصرية بكل تراثها العريق إلي مناسبات ترفيهية وصور في الجرائد وعلي الشاشات‏,‏ وأصبح من السهل علي الآخرين التشكيك في دور مصر وريادتها أمام واقع ثقافي تخلي عن كل جذوره ومسئولياته‏..‏



وقد اتضحت هذه الصور جميعها في الحملة الضارية التي تعرضت لها مصر في حرب الفضائيات الأخيرة‏..‏ وكان من أبرز ظواهرها‏..‏


*‏ أن الصحافة المصرية وقد كانت دائما في مقدمة الصفوف انقسمت علي نفسها ليس فقط في مواجهة الآخرين ولكن في معارك وانقسامات بين الصحفيين أنفسهم‏..‏ وقد فتح ذلك أبوابا كثيرة للمهاترات والهجوم هنا أو هناك‏..‏ وافتقدنا في ذلك صحافة مصر الحقيقية برموزها العظيمة وأقلامها المؤثرة ومصداقيتها التي كانت فوق الجميع‏..‏


*‏ انقسم ما بقي من المثقفين المصريين بين مؤيد لحماس‏..‏ ومناصر للسلطة الفلسطينية‏,‏ بل وجدنا في هذا الزحام بين أقلامنا من يعطي إسرائيل المبررات لهجومها الوحشي علي غزة‏..‏ وطفحت علي السطح أفواج الحواريين الذين تلوثت أقلامهم بالمؤتمرات والسفارات والمنح والعطايا‏,‏ وهنا أيضا غابت المصداقية واختفي الدور وتكشفت الحقائق‏..‏ إن أخطر ما في جريمة غزة أنها كشفت عورات كثيرة‏..‏


*‏ لقد كنا دائما فوق الخلافات الصغيرة والصراعات المفتعلة‏,‏ وكانت ثقافة مصر أكبر من المساومات والشعارات وكانت للمثقف المصري مكانته التي لا يستطيع أحد أن يشكك فيها‏..‏ ولكن الصورة الآن تغيرت واختلفت ملامحها أمام إغراءات كثيرة شوهت الأدوار وأفسدت الضمائر‏..‏



كان غياب المثقف المصري في المشهد الإعلامي الأخير أخطر ما أسفرت عنه هذه الكارثة ولاشك أن الجميع يتحمل مسئولية هذا الغياب‏..‏ الدولة وأجهزتها الثقافية‏..‏ والمثقفون وانقساماتهم‏..‏ وهذا الاختراق المخيف الذي اجتاح صفوف النخبة المصرية المثقفة ووصل بها إلي هذه الحالة من التشرذم والضياع‏..‏





‏fgoweda@ahram.org.eg‏



..‏ ويبقي الشعر


مت صامدا

حتي ولو هدموا بيوت الله

واغتصبوا المآذن



حتي ولو حرقوا الأجنة في البطون

وعربدوا وسط المدائن

حتي ولو صلبوك حيا‏..‏ لا تهادن



لن يستوي البطل الشهيد

أمام مأجور وخائن‏!!‏

كن قبلة فوق الخليل



وكن صلاة في المساجد

زيتونة خضراء تؤنس

وحشة الأطفال حين يقودهم



للموت حاقد

كن نخلة

يساقط الأمل الوليد علي رباها



كلما صاحت علي القبر الشواهد‏..‏