Loading

الاثنين، 1 فبراير، 2010

مع أحمد زويل

هوامش حرة

مع أحمد زويل

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



من أجمل الأشياء في الحياة أن تجد الحلم حقيقة وأن تري الخيال واقعا‏..‏ والفرق بين العالم والشاعر‏..‏ أن أحلام العلماء يمكن أن تصير واقعا في يوم من الأيام وأن يراها الكون حقيقة جميلة‏..‏ أما أحلام الشعراء فهي دائما تبقي سطورا علي ورق‏..‏ وإذا كان العالم يحلم بالأشياء وهي بين يديه فإن الشاعر يجري وراء ضوء يراه ويستحيل أن يلمسه ومابين العلم والشعر خيوط كثيرة قد لانراها ويصعب علينا تحديدها ولكن يبقي للعالم أن حلمه بين يديه ويبقي للشاعر أن حلمه في مهب الرياح‏..‏



أقول ذلك وقد سعدت طوال الأسبوع الماضي بعد أن جمعني أكثر من لقاء مع عالمنا الفذ د‏.‏احمد زويل‏..‏ التقينا في ساحة النادي الأهلي في احتفالية جميلة في بداية مهرجان كبير في مئوية الأهلي صاغها ببراعة حسن حمدي وإبراهيم المعلم ومجلس إدارة النادي العريق‏..‏ ثم ألتقينا علي شاطيء النيل ومعنا ألمستشار عبد المجيد محمود النائب العام ود‏.‏مصطفي الفقي‏..‏ ثم طفنا في الحسين وجلسنا علي الفيشاوي وليل القاهرة الساحر ومبانيها العتيقة وناسها الطيبون يحيطون بنا من كل جانب



وعدنا نتذكر أحلامنا الصغيرة في سنوات الصبا الأولي ونحن نطوف حواري وطرقات مدينة دمنهور العريقة ونحن نرسم زمانا جديدا ووطنا شامخا وإنسانا راقيا‏..‏ وسلوكا رفيعا يليق بنا كشعب عظيم‏..‏ لم يتغير أحمد زويل في شيء مازال يحمل بساطة ابن النيل الطيب المتسامح الجسور‏..‏



مازال يحمل دهشة التساؤل رغم كل الحقائق التي وصل إليها وحمل الإنسانية فيها إلي أفاق المعرفة‏..‏ مازال مسكونا بحب هذا الوطن الذي فارقه يوما بحثا عن الحلم والفرصة فغادره جسدا ومازال يعيش فيه قلبا‏..‏ ورغم كل إنجازات مشواره الطويل في أضواء بلاد العالم المختلفة إلا أنه مازال يحلم لأبناء شعبه بحياة أكثر رفاهية‏..‏ وزمان أكثر عدلا‏..‏ ومجتمع يعطي بقدر ما يأخذ من أبنائه‏..‏



مازال أحمد زويل يرسم صورة مجتمع يفتح الأبواب أمام كل أبنائه دون أن يفرق بين كبير وصغير وبين شهادة ميلاد وأخري وبين من يملكون كل شيء‏..‏ ومن لايملكون أي شيء‏..‏



عدنا نسترجع ساعات الزمن ولم يستطع أحد منا أن يستعيد منها لحظة رغم أننا نجلس مع واحد من عباقرة هذا الزمن‏..‏



كنت أعرف قصة احمد زويل منذ حصل علي جائزة نوبل وجاء إلي مصر فاتحا ذراعيه مقدما كل ماوصل اليه من خبرات وعلوم ومعارف‏..‏ وإلتقي الرئيس مبارك بفارس نوبل وكرمه بأعلي وسام مصري وهي قلادة النيل وأصدر تعليمات واضحة إلي الحكومة في ذلك الوقت بأن تسمع احمد زويل وتشاركه أحلامه تجاه مصر والمصريين كان الرئيس مبارك صادقا وواضحا وهو يصدر كل هذه التعليمات بتوفير كل الإمكانيات أمام احمد زويل‏..‏ وخرج احمد زويل من مقر رئاسة الجمهورية يحمل مشروع إقامة جامعة علمية ضخمة تسد فراغا رهيبا تعاني منه مصر في مجالات البحث ألعلمي‏..‏



كان مشروع زويل يستهدف إقامة قاعدة علمية للمستقبل تضع أقدام مصر علي أبواب الحياة المعاصرة بكل ما فيها من جوانب التحدي‏..‏ وحاول زويل أن يجمع حوله كوكبة من أكبر العلماء في العالم من الحاصلين علي جوائز نوبل في كل المجالات ليضع معهم وبهم تصورا عن مستقبل البحث العلمي في مصر‏..‏ ولم ينس أن يضم إليهذه الكوكبة عددا من زملائه وأساتذته وتلاميذه في مصر والعالم العربي



ودخل زويل في رحلة أسفار طويلة بين القاهرة وعواصم العالم علي نفقته الخاصة يجمع المعلومات من هنا ويدرس هناك من أجل تنفيذ حلمه لأبناء وطنه‏.‏ بقدر ما وجد أحمد زويل تشجيعا من رئيس الدولة وعدد من مساعديه كان علي رأسهم د‏.‏ الجنزوري بقدر ماواجه مقاومة ضارية من البعض الآخر وكأنه قرر أن يترك موقعه وجوائزه ونجاحاته وجاء ينافسهم في سراديب البيروقراطية المصرية العريقة‏..‏ ووجد أحمد زويل نفسه أمام تركيبة يصعب التعامل معها إنسانيا وأخلاقيا‏..‏ وكان أغرب سؤال يوجه لعالمنا الكبير من جهابذة الحكومة المصرية كيف ستجمع الأموال لتمويل هذا المشروع واكتشف أحمد زويل أنه مطالب بتوفير الأموال لكي يحقق حلمه لأبناء بلده‏..‏ وكانت إجابة الرجل‏..‏ أستطيع إن اجمع لكم العلم والعلماء‏..‏ أما جمع الأموال فهذه ليست مسئوليتي وأنا غير مؤهل لذلك‏..‏ وأنسحب أحمد زويل حزينا‏..‏ وأضاع جهابذة البيروقراطية المصرية علي مصر أكبر فرصة قدمها واحد من أبنائها الأوفياء‏.‏



لم اسمع هذه القصة من احمد زويل ولكنني فاجأته بأنني أعرف كل تفاصيلها ومن مصادرها وأخفيت عنه تفاصيل كثيرة مؤلمة ابتداء بالفيلا الجميلة التي تم ترميمها لهذا المشروع في جاردن سيتي ولم يدخلها أحد حتي الآن وانتهاء بمواقف سخيفة ضد الرجل من مسئولين كبار في الحكومة‏..‏ وبعد كل هذا العناء التقطت حكومة قطر أحمد زويل ليكون علي رأس فريق عمل أقام لها واحدة من أحدث الجامعات العلمية في العالم العربي تكلفت‏3‏ بلايين دولار وفيها الآن مجموعة ضخمة من أكبر العلماء والأساتذة من كل دول العالم‏..‏ وهناك مدينة علمية أخري تقام الآن في السعودية علي نفس الدرجة من التطور‏..‏



ولا ادري إلي متي سيظل في مصر المحروسة هذا الطابور العاجز المتوحش الذي يطارد المواهب من كل لون حتي يبقي في مواقعه مسيطرا علي كل شيء‏..‏ لقد مضت سنوات منذ حصل زويل علي نوبل ولم يسأله أحد أين مشروعك القديم‏..‏ ولكن هذا السؤال يصبح غريبا إذا شاهدنا أسراب الغربان وهي تحلق في السماء تطارد كل عصفور يغني أو يعلم الناس الغناء في هذا الوطن‏,‏ ومازالت الخفافيش تصرخ في سمائنا‏..‏



أمام مسجد الحسين رضي الله عنه جلسنا زويل ومصطفي الفقي وأنا نسترجع صورة وطن جميل كنت تري فيه كل شيء‏..‏ كنت تري فيه سماحة الدين ووسطيته‏..‏ وعراقة الفن ورسالته‏..‏ وترفع النفوس وغناها‏..‏ وحب الحياة والحرص عليها‏..‏ لم نكن أغنياء ولكننا كنا نملك شيئا جميلا اسمه القناعة‏..‏ ولم تكن أموال الدنيا تغرينا ولكن كان بريق الفكر والثقافة يلهب خيالنا‏..‏ كانت بيوتنا بسيطة ولكن الحب يكسو جدرانها‏..‏ وكانت أموالنا قليلة ولكن كنا نعرف شيئا اسمه‏'‏ البركة‏'..‏ وكانت شوارعنا نظيفة‏..‏ وقلوبنا صافية‏..‏ ولم نقرأ يوما أن ابنا قتل أباه أو زوجة قطعت أشلاء زوجها‏..‏ أو أننا صرنا عبيدا للمال كما نري أنفسنا الآن‏..‏



قال أحمد زويل‏..‏ منذ سنوات قليلة ظهرت صيحة مدوية في أمريكا تقول إننا أمة في خطر‏..‏ وكان أخطر ما في هذه الصيحة التنبيه إلي مجالات كثيرة ينبغي النظر إليها وفي مقدمتها التعليم وأنا أقول إن مشكلة مصر الأولي الآن هي التعليم ليس المهم أن أقيم عشرات الجامعات الإقليمية بلا أساتذة‏..‏ أو أن يتكدس آلاف من الطلبة في غرفة صغيرة‏..‏ كانت في مصر ثلاث جامعات فقط معترف بها دوليا هي جامعة القاهرة‏..‏ والاسكندرية‏..‏ وعين شمس ولم يكن أحد يجرؤ في العالم كله علي التشكيك في خريجي هذه الجامعات أو تجاهل قيمتها العلمية‏..‏



الجانب الثاني لابد أن نفتح أبواب الفرص أمام التفوق والتميز والجدارة‏..‏ من الظلم أن نعطي فرصة لمن لا يستحق‏..‏ ونحرم المواهب الحقيقية من الوصول‏..‏



الجانب الثالث‏..‏ لابد أن ننظر إلي المستقبل وما هي صورة مصر بعد عشرين عاما وهذا يتطلب منا أن نراجع كل شيء حتي نضع الأساس لصورة هذا المستقبل لأنه من الخطأ أن ننظر تحت أقدامنا‏..‏ إن العالم حولنا يتغير ونحن نملك كل الإمكانيات لكي نصبح جزءا فعالا ومؤثرا فيه‏..‏ وليس هناك مستقبل لأحد بدون العلم‏..‏



إنها متعة جميلة أن تجلس إلي عالم حالم مهموم بوطنه رغم أنه يعيش بعيداعنه ورغم ذلك فهو يتابع كل شيء فيه‏..‏ بل إنه مازال يحمل في أعماقه كل ما كان جميلا ورائعا فيه‏,‏ ابتداء بالزمن الجميل وانتهاء بالشعب المتسامح الطيب‏..‏ همس فينا أحمد زويل أن أكثر ما يؤرقني أنني بحكم المعرفة والعلم واستشراف المستقبل أكاد أري صورة الكون بعد سنوات وكل ما يحزنني ألا يكون لنا مكان فيه‏,‏ ولهذا ينبغي أن نتجاوز مشاكلنا وصراعاتنا وتفاهات معاركنا ونفكر في شيء واحد‏..‏ ما هو المستقبل الذي ينتظرنا في هذا العالم الجديد القادم‏..‏



قلت لأحمد زويل ونحن نتصافح‏..‏ يبدو أنك هاجرت جسدا وبقيت بين ربوع مصر قلبا وروحا وكيانا‏..‏



كانت نفحات الحسين رضي الله عنه تطوف حولنا وآذان الفجر يهز أرجاء القاهرة العتيقة ويزلزل أركانها الساكنة وشعبها الطيب الأصيل يغط في نومه العميق‏..‏ كان هناك سؤال يطاردني إلي متي سنظل نقطع الأشجار المثمرة ونطارد العصافير الجميلة ونحتفي بالغربان ونفتح كل الأبواب للخفافيش‏..‏ وسافر أحمد زويل‏..‏ وعدت أسأل‏..‏ هل من سبيل لأن نستعيد معه حلمنا مرة أخري‏..‏



‏..‏ ويبقي الشعر

وطن بلون الفرح يبدو الآن محمولا

علـي نعش من الأحزان

جسد هزيل في صقيع الموت

مصـلوب بلا أكـفان

وطن جميل كان يوما كعبة الأوطان

الآن ترتحل الرجولة عن ثراه

ويسقط الفرسان

في ساحة الدجل الرخيص



يغيب وجه الحق

تسقط أمنيات العمر

يزحف موكب الطـغيان

في ساحة القهر الطويل

يضيع صوت العدل

تخبو أغنيات الفـجر

تـعلـو صيحة البهتان

وطن بلون الصبح كان



وطن كبير أنت في عيني

هزيل في ظلام السجن والسجان

وطن جسور أنت في عيني

ذليل في ثياب العجز والنسيان

وطن عريق أنـت في عيني

أراك الآن أطـلالا

بـلا اسم‏..‏ بلا رسم‏..‏ بلا عنوان