Loading

الخميس، 11 فبراير، 2010

هوامش حرة : ثراء مشروع‏..‏ وثراء باطل

هوامش حرة



ثراء مشروع‏..‏ وثراء باطل



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



لا يوجد مواطن مصري واحد ضد الثراء المشروع ولكننا جميعا ضد الثراء الباطل والفرق بين المشروع والباطل هو الفرق بين مال حلال جاء من جهد وعرق وكفاءة ومال آخر حرام جاء من فرصة مسروقة أو قرار مزيف أو علاقة مشبوهة بسلطة القرار‏..‏

وعندما كنت أكتب في الأسابيع الماضية عن رجال الأعمال وعلاقتهم بالسلطة وأطالب بإنهاء تلك العلاقة فإنني كنت أطالب بتنقية المناخ الاقتصادي والخروج من هذه العلاقة المشبوهة التي أفسدت الجو العام للنشاط التجاري في مصر‏..‏ ولهذا فلابد أن أؤكد أننا لسنا ضد الثراء والغني وأن من حق كل صاحب عمل أن يجني ثمار جهده ونجاحه وأنني أتمني أن أري اليوم الذي يصبح فيه كل مواطن مصري مالكـا لشيء ما في هذا الوطن حتي ولو كان شبرا يدفن فيه‏.‏

من هنا فأنا أؤمن بدور رأس المال في التنمية الاقتصادية ابتداء بإنتاج السلع وانتهاء بصناعة البشر وأن كنت أعتقد أن التنمية البشرية هي الأساس الذي يقوم عليه بناء المجتمعات ونهضة الأمم‏..‏ ومن يطالع الصحف المصرية ويشاهد صور العقارات الجديدة والمدن والفيلات والقصور والملايين التي تتراقص بين السطور يتصور أننا نعيش في مجتمع انتهت كل مشاكله وأزماته مع الماء والطعام والخبز والسكن ولم يبق أمامه غير فيلا لكل مواطن‏..‏

وهذه الصور والإعلانات لا تدخل في باب الاستثمار الحقيقي بل هي مضاربات عقارية جزء فيها من حصيلة بيع الأراضي والجزء الآخر حصيلة مضاربات الحديد والأسمنت وجزء ثالث حصل عليه المضاربون في البورصة وسوق المال‏..‏

كانت مشروعات الرأسمالية المصرية في زمان مضي تشمل سلعا كثيرة تنتجها مصر منها المنسوجات والغزل والسكر والسلع الغذائية والأسمدة ومدن كاملة للإنتاج مثل المحلة وكفر الدوار وكانت لدينا صناعات متطورة في كل أنواع الصناعة ولكن لا أحد يعرف أين اختفت كل هذه الأنشطة وتركزت كل الأشياء في الاستثمار العقاري لبيع الأراضي والفيلات‏..‏ من يقرأ إعلانات الصحف المصرية سوف يكتشف أن الاستثمار العقاري هو النشاط الوحيد القائم في مصر الآن لقد باعت الحكومة مشروعات صناعية كثيرة وشاهدت عشرات الجرائم التي تمثلت في تصفية هذه المشروعات وبيعها كأراضي بناء‏..‏

أن تركيز النشاط الاقتصادي في مصر في جانب واحد هو الاستثمار العقاري حيث العائد السريع وتجارة الأراضي يمثل كارثة حقيقية فقد سحب السجادة من تحت أقدام أنشطة أخري كان ينبغي أن تكون لها الأولوية‏..‏ كان من الظلم للاقتصاد المصري أن نلقي كل هذه البلايين من الجنيهات في الحديد والاسمنت والمنشآت العقارية ابتداء بالمنشآت الحكومية وقد ابتلعت أموالا كثيرة وانتهاء بالمدن الجديدة التي تسكنها الأشباح‏..‏ ولنا أن نتصور حجم المنشآت والمباني في الساحل الشمالي وعشرات القري في العين السخنه وغيرها وكم تكلفت كل هذه المشروعات دون أن تحقق إنتاجا أو تقدم سلعة أو توفر لنا موردا ماليا‏..‏ إنها مشروعات استوعبت مئات الملايين ولكنها بلا عائد‏..‏

علي جانب آخر هناك المشروعات والتوسعات الحكومية التي تمثلت في المباني الجديدة للوزارات والمؤسسات وقد تحولت جميعها إلي ثكنات لآلاف الموظفين العاطلين الذين لا يعملون شيئـا‏..‏

والغريب في الأمر أن هذه الاستثمارات لم تحقق عائدا لخزانه الدولة سواء في صورة ضرائب أو عائد مادي مؤكد‏..‏ لقد دخلت جميعها جيوب تجار الأراضي والعقارات وكبار المقاولين والسماسرة‏..‏ وعندما أرادت الحكومة أن تجمع بعض الأموال لجأت إلي جيوب الذين اشتروا هذه العقارات بينما خرج من اللعبة تماما الذين بنوها وتاجروا فيها‏..‏

أن أهمية رأس المال في المجتمعات أن يكون منتجا وأن يشارك في منظومة التوازن الاجتماعي سعيا وراء الأمن والاستقرار‏..‏ وإذا كان من حق صاحب رأس المال أن يربح فإن من واجبه أن يقوم بدوره الاجتماعي والإنساني علي أكمل وجه‏..‏

أن الدولة الآن تحاول أن تجمع أموالا من هنا ومن هناك مرة برفع أسعار السلع ومرة أخري بفرض ضرائب وصلت إلي جيوب الفقراء ولو كنت مسئولا في هذا البلد لجمعت رجال الأعمال الكبار في مكتب محافظ البنك المركزي د‏.‏فاروق العقدة وسألتهم ماذا أنتم فاعلون لإنقاذ حكومتكم الرشيدة‏..‏ والسبب في أن يجتمعوا في مكتب العقدة أنه يعرف جيدا القروض التي حصلوا عليها‏..‏ والأراضي التي باعوها وما قدمته الدولة لهم من مظاهر الدعم والمساندة‏..‏ وربما لا يعرف المبالغ التي أرسلوها للخارج‏..‏ سوف أطلب من كل واحد منهم أن يقدم للحكومة رقما‏..‏ وسوف تقدم له ما يريد من الضمانات سواء كانت سندات حكومية أو غير حكومية‏..‏ لو كان أمام الحكومة‏1000‏ من رجال الأعمال الكبار وقدم كل واحد منهم‏100‏ مليون جنيه فنحن أمام‏10‏ مليارات جنيه‏..‏ ولو أن كل شخص منهم قدم‏500‏ مليون جنيه فنحن أمام‏50‏ مليار جنيه‏..‏

أن أعتماد الحكومة علي محدودي الدخل سواء في الضرائب أو الرسوم أو زيادة الأسعار يجعلها مقيدة الأيدي لأن إمكانيات هذه الطبقات وهي محدودة لا يمكن أن تحقق للحكومة الموارد التي تسعي إليها والزيادة التي تريدها لإنقاذ الميزانية‏..‏ ومن هنا فإن التركيز ينبغي أن يكون علي أصحاب الدخول العليا من ملاك المنشآت والمصانع والمشروعات البترولية والسياحية والعقارية‏..‏ أن التركيز علي محدودي الدخل أرهق طبقات فقيرة لا تملك شيئـا بينما تستطيع الحكومة أن توفر موارد مناسبة من مجموعة أشخاص وليس طبقات اجتماعية كاملة‏..‏

قد يقول البعض وهل يملك رجال الأعمال في مصر كل هذه الأرقام وأقول إذا كان رئيس البنك الأهلي طارق عامر قد أعلن في الأسبوع الماضي أن قضايا التعثر التي حسمها البنك الأهلي وحده قد وصلت إلي‏30‏ مليار جنيه في بنك واحد فماذا عن بقية البنوك ؟‏.‏ ماذا عن‏27‏ مليار جنيه ديونا معدومة في بنك القاهرة الذي فشلت الحكومة في بيعه ماذا عن مساحات مخيفة من الأراضي التي حصل عليها رجال الأعمال بملاليم وباعوها بعشرات البلايين في سيناء والوادي‏..‏ ماذا عن المشروعات السياحية والبترول والغاز الذي شارك فيه القطاع الخاص‏..‏ وماذا عن مئات الآلاف من الأفدنة التي تحولت إلي مبان في الأعوام العشرين الماضية لو كنت مسئولا في هذا البلد لجمعت كل رجال الأعمال‏_‏ والحكومة تعرفهم‏_‏ وطالبتهم بموقف إيجابي لحماية مستقبل هذا الشعب والخروج به من عنق الزجاجة‏..‏





‏fgoweda@ahram.org.eg‏






..‏ ويبقي الشعر





نسيت ملامح وجهي القديم

ومازلت أسال‏:‏ هل من دليل

أجاول أن أستعيد الزمان



وأذكر وجهي‏..‏

وسمرة جلدي

شحوبي القليل



ظلال الدوائر فوق العيون

وفي الرأس يعبث بعض الجنون

نسيت تقاطيع هذا الزمان



نسيت ملامح وجهي القديم

عيوني تجمد فيها البريـق

دمي كان بحرا



تعثر كالحلم بين العروق

فأصبح بئرا

دمي صار بئرا



وأيام عمري حطام غريـق‏..‏

فمي صار صمتـا‏..‏ كلامي معاد

وأصبح صوتي بقايا رماد



فما عدت أنطق شيئـا جديدا

كتذكار صوت أتي من بعيد

وليس به أي معني جديد



فما عدت أسمع غير الحكايا

وأشباح خوف برأسي تدور

وتصرخ في الناس



هل من دليل ؟

نسيت ملامح وجهي القديم


(‏ قصيدة وضاعت ملامح وجهي القديم سنة‏1982)‏