Loading

الأحد، 17 يناير، 2010

قدسية القضايا‏..‏ وشرف المواطنة

هوامش حرة



قدسية القضايا‏..‏ وشرف المواطنة


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة











لا يستطيع أحد أن ينكر أو يتجاهل الواقع الذي يعيشه العالم الآن وهو أن أمريكا هي القوة العظمي الوحيدة علي سطح الكون‏...‏ وأنها تتحكم في خيوط كثيرة في مجريات الأحداث‏..‏ وأنها اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا تتصدر واجهة الحضارة المعاصرة‏..‏ هذه حقائق لا ننكرها‏..‏ ولكن ينبغي ألا تصغر الشعوب أمام ذلك حتي تصل الي درجة التلاشي‏...‏ أو أن تترك مصائرها في مهب الريح وهي لا تعلم الي أي مكان تمضي‏..‏ والي أي مستقبل تسير‏..‏


ولهذا كان موقف الحكومة المصرية موقفا حكيما عندما رفضت السماح بتمويل الجمعيات الأهلية في مصر من الإدارة الأمريكية مباشرة عن طريق السفارة الأمريكية دون علم الحكومة‏..‏ كما رفضت أيضا تحديد موعد أو جدول زمني لخصخصة البنوك المصرية المملوكة للدولة‏...‏ أو بمعني آخر بيع بنوك القطاع العام‏..‏






هذان المطلبان كانا مثار جدل كبير مع الإدارة الأمريكية‏,‏ خاصة أن هناك ربطا غريبا بين هذه المطالب وغيرها وموقف المعونة الأمريكية لمصر‏..‏


وفي البداية‏,‏ فإن تمويل الأنشطة الأهلية في مصر بعيدا عن رقابة الحكومة المصرية أمر مرفوض تماما‏,‏ خاصة أن المنطقة كلها‏,‏ وليست مصر وحدها‏,‏ تتعرض لعملية اختراق غريبة تستخدم كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة‏,‏ وتتخفي وراء مسميات كثيرة‏,‏ منها حقوق الإنسان‏,‏ والحريات‏,‏ وحوار الثقافات‏,‏ والتواصل الفكري‏,‏ لكن الحقائق تؤكد أن هناك نيات كثيرة غير طيبة‏..‏ وأن هناك أيضا وسائل كثيرة غير مشروعة لجمع الأموال‏..‏






ومن هنا فإن اعتراض الحكومة المصرية علي المبدأ من أساسه يمثل جانبا ضروريا في حماية الأمن القومي المصري‏..‏


إن فتح المجال لعمليات التمويل الأجنبي للأنشطة الأهلية يحمل مخاطر كثيرة علي كل المستويات أمنيا وفكريا وسياسيا‏..‏ إذا سمحنا للجمعيات الأهلية بأن تتلقي التمويل المباشر من الدول الأجنبية‏,‏ فسوف يصل ذلك يوما إلي تشكيل الأحزاب‏,‏ وإقامة المؤسسات الثقافية والإعلامية‏,‏ والتدخل السافر في شئون الوطن‏,‏ وهذه كلها مخاطر يجب أن نكون علي وعي كامل بها‏..‏






القضية الثانية التي أثارت خلافا مع أعضاء الغرفة التجارية الأمريكية‏-‏ كما نشرت الصحف‏-‏ هي خصخصة بنوك القطاع العام‏..‏ وفي تقديري أن مصر لا تحتمل مثل هذا القرار في ظروفها الحالية‏,‏ وأنها مغامرة غير محسوبة النتائج‏...‏ فكيف يمكن لنا الآن بيع بنوك القطاع العام‏,‏ أو عدد منها‏,‏ في ظل الانخفاض الرهيب في سعر الجنيه المصري‏..‏ وكيف يمكن ذلك ونحن لا نستطيع أن نعرف بدقة من الذي يشتري هذه البنوك‏..‏ وهل في مصر حاليا رؤوس أموال لدي القطاع الخاص المصري تستطيع أن تدفع بلايين الدولارات لشراء بنك أو بنكين‏..‏ وما هو مستقبل ودائع المواطنين أمام مخاطرة غير محسوبة بهذا الحجم؟‏!‏


ان مصر ما زالت تدفع ثمن قرار متسرع بتعويم الجنيه المصري‏,‏ ومهما قيل عن ايجابيات القرار‏,‏ إلا أن سلبياته كانت أكبر بكثير من كل إيجابياته‏,‏ والواقع المصري لا يحتمل الآن بيع بنك واحد‏,‏ فما بالك بخمسة بنوك كبري فيها بلايين الودائع‏..‏






ليس المطلوب أن نسعي دائما إلي إرضاء المؤسسات المالية الدولية‏,‏ وهي عادة تأخذ تعليماتها من الإدارة الأمريكية‏,‏ خاصة صندوق النقد والبنك الدوليين‏,‏ لكن المطلوب أن ننظر للظروف والواقع‏,‏ لأن مصر أدري بظروفها وأحوالها‏,‏ وأهل مكة أدري بشعابها‏..‏ لكن سجل العلاقات المصرية‏-‏ الأمريكية‏,‏ في ظل إدارة الرئيس بوش‏,‏ حمل تناقضات كثيرة‏...‏ بل أعطي لنفسه حقوقا مرفوضة بالنسبة لنا‏-‏ شعبا وحكومة‏-‏ ابتداء باحتلال العراق‏,‏ وانتهاء بالدعم الكامل للسياسة الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني‏,‏ والعدوان الدائم علي الإنسان العربي‏..‏






ولم يكن الخلاف حول خصخصة البنوك أو تمويل الأنشطة الأهلية إلا صورة من الصور المصغرة جدا لمسيرة من الخلافات في العلاقات بين مصر وأمريكا‏..‏ وفيها ظهرت مجموعة من الأخطاء الفادحة في القرار الأمريكي‏:‏


‏*‏ إن الإدارة الأمريكية الحالية‏,‏ وهي تعيش أيامها الأخيرة في البيت الأبيض‏,‏ قد تجاوزت كثيرا في التدخل السافر في شئون المنطقة‏,‏ ولم تفرق بين دول لها حجمها ودورها ومسئوليتها التاريخية‏,‏ ودول أخري يمكن أن يوجه لها النصح والإرشاد‏..‏ إن مصر‏,‏ بمقاييس التاريخ والدور والمسئولية‏,‏ دولة رائدة وقائدة في المنطقة‏,‏ وهذا الدور لم يكن هبة من أحد‏,‏ ولكنه سلسلة طويلة من التراكمات والمشاركات الحضارية والإنسانية التي شكلت هذا الدور وأعطته الأهمية والمسئولية والمكانة‏..‏ ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تدرك أهمية هذا الدور كما ينبغي‏,‏ بل انها تجاهلته في معظم الأحيان وسعت إلي تهميشه طوال أربع سنوات كاملة‏,‏ هي عمرها في البيت الأبيض‏.‏






‏*‏ إن محاولات الضغط بورقة المعونات الاقتصادية‏,‏ لم تنجح في يوم من الأيام مع القرار المصري‏,‏ خاصة أن هذه المعونات‏-‏ من حيث القيمة والأهمية والدور‏-‏ يمكن تعويضها بسهولة من خلال موارد جديدة‏,‏ وعدة قرارات حكومية لترشيد الإنفاق‏,‏ وكان من الخطأ أن يتصور البعض أن هذه المعونات يمكن أن تكون وسيلة ضغط أو مساومة‏,‏ سواء في مصر أو أمريكا‏,‏ لأن المعونة الأمريكية كلها لا تغطي بنود الحراسات والاحتفالات والولائم في الجهاز الإداري للدولة‏.‏






‏*‏ عندما بدأت الإدارة الأمريكية مأساتها التاريخية في احتلال العراق‏,‏ لم تكن تريد العون من أحد‏..‏ وكانت تري أنها قادرة علي أن تنهي صفقة الاحتلال وحدها‏,‏ دون أن يشاركها أحد في الغنيمة‏..‏ وعندما غرقت في المستنقع العراقي حاولت توريط أطراف أخري كان من بينها مصر‏,‏ وكان ذلك يبدو صعبا‏,‏ بل مستحيلا‏,‏ وما زالت أمريكا تدفع حتي الآن ثمن حماقتها أمام المقاومة العراقية الشرسة‏..‏ ومن التناقضات المخيفة أن يوافق الكونجرس الأمريكي علي تخصيص بلايين الدولارات للحرب في العراق‏,‏ بينما تقتل الأعاصير الآن آلاف الجوعي في أمريكا‏.‏






‏*‏ عندما طرحت الإدارة الأمريكية قضايا الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي‏,‏ لم يكن طرحا سياسيا فكريا إنسانيا ينشد الرفاهية لشعوب المنطقة‏,‏ لكنه كان طرحا استفزازيا يستعرض القوة أكثر مما يحاور العقول‏..‏ ويهدف إلي الهيمنة أكثر من السعي إلي التواصل‏..‏ بل إن هذا الطرح اتسم بنغمة فيها الكثير من التعالي‏,‏ صدمت الكثيرين من دعاة الفكر الليبرالي الذين كانت التجربة الأمريكية مثار إعجاب وتقدير لديهم‏..‏


لقد اختفي وجه الليبرالية الأمريكية التي قامت علي دعوات المفكرين والكتاب والساسة‏,‏ ليجد العالم نفسه أمام قوة طاغية تتحدث عن حقوق الإنسان وهي تمارس أسوأ أشكال البطش والإرهاب ضد الشعوب احتلالا وغزوا ودمارا‏..‏ كان التناقض شديدا بين دعوات الحرية والديمقراطية للشعوب العربية والدبابات وطائرات الأباتشي تقتل الأطفال في الفلوجة والنجف‏,‏ وغزة ورام الله والخليل‏,‏ وتدمر حضارة شعب ومستقبل أمة‏,‏ ولا شك في أن هذا التناقض ترك آثارا غاية في السوء تجاه السياسة الأمريكية في المنطقة‏,‏ خاصة مع استمرار مستنقع الدم في العراق وفلسطين‏.‏






‏*‏ إن الإدارة الأمريكية دخلت في مفاهيم وأساليب جديدة في التعامل مع العالم‏..‏ لقد أصبحت تمد جسورها من خلال أجهزة المخابرات‏,‏ وأصبحت المخابرات الأمريكية هي التي تحدد صورة العلاقات الخارجية للقوة العظمي‏..‏ وفتحت أمريكا بورصة جديدة لدفع ملايين الدولارات لمن يقتل هذا أو يقبض علي ذاك‏,‏ وهذا منطق عصابات‏,‏ وليس أسلوب تعامل دول متحضرة‏..‏


لقد وجد العالم نفسه أمام علاقات غريبة تدعو إلي القتل‏,‏ وتشجع علي التصفيات الجسدية‏,‏ وتطالب برؤوس البشر‏..‏ وكان في ذلك تعارض كامل بين الحديث عن الحريات وحقوق الإنسان‏,‏ وتشجيع أساليب عصابات القتل والتصفيات الجسدية‏..‏ ولعل هذا كان استكمالا لما حدث للآلاف في سجن جوانتانامو‏,‏ حيث لا قوانين ولا محاكمات ولا ضوابط للاعتداء علي حرمة البشر‏..‏






‏*‏ كان أغرب ما في هذا الشكل الجديد في العلاقات بين أمريكا والعالم الخارجي‏..‏ أنها لم تعد تسعي إلي التعامل مع الشعوب‏,‏ أو حتي الحكومات‏,‏ لكنها فتحت أبوابا أوسع للعملاء‏..‏ وأصبحت الدولة التي قدمت للفكر الإنساني الكثير من الرؤي والأفكار تسعي إلي تجنيد ضعاف النفوس من البشر‏..‏ وهذا سقوط إنساني رهيب‏,‏ قبل أن يكون خطأ سياسيا فادحا‏.‏






‏*‏ إن أمريكا التي قدمت إلي العالم صيغة متحضرة ومتوازنة في الفكر الديني من خلال تعدد الأجناس والألوان واللغات والأصول والعقائد‏,‏ قد تحولت في سنوات قليلة إلي دولة تعادي الأديان الأخري‏,‏ وفي مقدمتها الإسلام‏..‏ لتتحكم فيها أصولية مدمرة تتنافي مع كل ما جاءت به المسيحية من السماحة واحترام الديانات الأخري‏..‏ وسقط النموذج الأمريكي المتوازن الذي صاغته تجربة طويلة في التواصل بين الشعوب أمام رؤي قاصرة وحسابات سياسية خاطئة‏..‏


وسط هذه القراءة الأمريكية الخاطئة لكل شيء كان من الصعب جدا أن تأخذ مصر موقعها الحقيقي في فكر وقرارات الإدارة الأمريكية الحالية‏..‏ ومن هنا جاءت تجاوزات كثيرة أخذت أشكالا متعددة كان أبسطها إرسال لجان لتقصي الحقائق حول حقوق الأقليات‏,‏ والعلاقات بين المسلمين والمسيحيين‏,‏ ومطالبات غريبة بحقوق الشواذ جنسيا‏..‏ واقتحاما لا مبرر له لخصوصيات مجتمع يحكمه تاريخ وحضارة وتقاليد‏,‏ ومحاولة اختراق واضحة لمؤسسات لها دورها ومسئولياتها أو شراء المواقف والأفكار والذمم‏..‏ وكان غريبا أن نجد بيننا من يحتمي بالسفير الأمريكي‏,‏ ومن يطلب الحماية من البيت الأبيض‏,‏ وأن تتسلل مواكب الحواريين في زحام المصالح والمطامع والأهداف في لقاءات وكتابات مشبوهة لا تتناسب مع قدسية القضايا وشرف المواطنة‏.‏







من أجل هذا‏,‏ رفضنا وما زلنا نرفض الوجه القبيح للسياسة الأمريكية تجاه مصر في عهد الرئيس بوش‏,‏ الذي يواجه الآن مستقبلا غامضا يجني فيه ثمار أخطاء دفع العالم كله ثمنها دما ودموعا واستقرارا‏..‏