Loading

الجمعة، 22 يناير 2010

شراكة باطلــة


هوامش حرة



شراكة باطلــة


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة








مازلت أعتقد أن قضية التغيير في مصر لاينبغي أن تتوقف عند استبدال بعض الوجوه بوجوه أخري‏,‏ أو الإطاحة بشخص دون آخر‏,‏ ولكن التغيير يعني أولا وقبل كل شيء اسلوبا جديدا في العمل‏,‏ ووسائل مدروسة في مواجهة المشكلات والتحديات‏,‏ ونماذج بشرية أكثر شفافية وايمانا بشيء اسمه الواجب تجاه الوطن قبل جني الثمار‏.‏


وللأسف الشديد ان الواقع يؤكد أن المصالح الخاصة تغلبت كثيرا علي المصالح العامة‏,‏ وان الامور اختلطت كثيرا‏,‏ بين ماهو خاص وما هو عام‏,‏ بل ان الكثيرين في موقع القرار والسلطة خلطوا الاوراق ووصلوا الي درجة الاعتقاد بأنهم يديرون املاكا خاصة فتحكموا في رقاب العباد دون رحمة أو ضمير‏.‏






ان هذه السلوكيات الغريبة والشاذة لم تعد مقصورة علي مجموعة من الافراد في بعض مواقع العمل‏,‏ ولكنها تحولت الي ظواهر عامة في مواقع كثيرة‏,‏ من هنا اصبحت الحلول اكثر صعوبة حتي لو نجحنا في تغيير بعض الوجوه لان هذه الوجوه أصبحت لها مدارس وتلاميذ وحواريون تربط بينهم مصالح وتجمع بينهم أحلام في ان يبقي الواقع كل الواقع علي ماهو عليه‏,‏ فإذا سقط صنم ظهرت خلفه عشرات الأصنام من أصحاب المصالح‏.‏


ان اخطر ما واجه مصر في السنوات الاخيرة مجموعة من العلاقات الغريبة بين اطراف تختلف في دورها وظروف تكوينها في كل شيء‏..‏ كانت ابرز هذه العلاقات الثلاثية الشهيرة والتي تمثلت في زواج باطل بين السلطة‏..‏ ورأس المال‏..‏ والإعلام‏.‏






الذي نعرفه ان السلطة تتحمل مسئولية القرار في توجيه أمور الناس والمجتمع‏,‏ وانها بحكم القانون والدستور تتحمل شئون العمل والادارة والمؤسسات‏,‏ وان هذه المسئوليات تحكمها قواعد واجراءات وقوانين تحدد نوعية الانشطة التي تقوم بها مؤسسات الدولة كل في اختصاصه‏,‏ كما ان هذه القوانين تضع نظاما للمحاسبة وقواعد للمساءلة امام أي تجاوز أو خطأ أو انحراف‏.‏


أما رأس المال فهو نشاط خاص تحكمه عوامل كثيرة تبدأ بمصادره وتنتهي عند مسئولياته تجاه المجتمع‏..‏ ان رأس المال أحد الجوانب الرئيسية التي يقوم عليها كيان المجتمعات علي المستوي الاقتصادي والانساني وبقدر قيام هذا القطاع بمسئولياته اقتصاديا واجتماعيا بقدر نجاحه في ايجاد صيغة من التلاحم بين المجتمعات‏.‏






وكلما اقترب رأس المال من قضايا وهموم الناس كان اكثر انسانية‏..‏ ولكنه أحيانا يتحول إلي وحش كاسر يسعي لتحقيق أهدافه حتي ولو كان ذلك ضد كل القواعد والقيم والتقاليد‏.‏ يستطيع رأس المال أن يكون مصدر أمن وحماية واستقرار‏,‏ وفي المقابل فإنه كثيرا ما تحول الي أدوات استنزاف ونهب ودمار‏.‏


اما الإعلام فهو أخطر اسلحة العصر الحديث وقد تجاوز في خطورته كل الاسلحة التقليدية بما فيها أسلحة الحروب‏..‏ هناك الآن حروب تدور في ميادين القتال وحروب أخري تدور في هذا الفضاء السحيق من خلال الفضائيات والاقمار الصناعية والانترنت وأجهزة الكمبيوتر والصحف والمجلات والشاشات والإذاعات ومصادر المعلومات باختلاف اشكالها واساليبها‏.‏






والمفروض ان يكون الإعلام صاحب دور ورسالة في إيجاد إنسان أفضل وفي توفير معلومات صحيحة ووجهات نظر محايدة وحريات في التعبير‏..‏ وقبل هذا كله ايمان بحق الانسان في المعرفة‏.‏


ومن هنا فان الإعلام يدخل في نطاق الرسالات الكبري تجاه الانسانية يشبه في ذلك مدارس الفكر‏..‏ والفنون والابداعات الخالدة في تاريخ البشرية‏,‏ وأمام خطورة دور الإعلام ومدي تأثيره الرهيب كانت المعارك تدور بين رأس المال والسلطة وكان الصراع الأزلي‏:‏ من منهما يملك هذا الكيان السحري الرهيب؟ كانت السلطة تسعي الي الإعلام لانه يحقق لها اهدافها في التأثير في الجماهير حتي لو وصل الي درجة التضليل‏..‏ وكان رأس المال يسعي الي الإعلام لانه وسيلة قوة وسلطان لدي السلطة‏,‏ وهو ايضا وسيلة سريعة لتحقيق المكاسب بمنطق رأس المال‏.‏






وفي الوقت الذي كان ينبغي أن يكون الإعلام فيه محايدا حتي يقوم بمسئولياته فإن صراع السلطة ورأس المال فتح أبوابا كثيرة لإيجاد صيغة من التواطؤ بين السلطة ورأس المال والإعلام‏,‏ وكان الإعلام هو الضحية الكبري في ذلك فقد تنكر لمسئولياته وأصبح بوقا للسلطة أو قوة وأداة ردع في يد رأس المال وفقد الكثير من دوره ومصداقيته ومسئوليته تجاه المجتمع والناس‏.‏


هنا تفتحت ابواب كثيرة لعلاقات غير سليمة وغير صحية تفتقد الشفافية بين السلطة ورأس المال والإعلام‏..‏ وقد ظهر واضحا في كثير من الأحيان ان التداخل بين هذه الثلاثية اصبح ظاهرة خطيرة في كل شيء‏.‏






لم يعد غريبا ان يمارس رأس المال ضغوطا علي السلطة من أجل الحصول علي امتيازات أو فرص أو مكاسب تتجاوز كل امكاناته‏..‏ وكانت الصورة الواضحة علي هذا التجاوز ماحدث مع رجال الأعمال الهاربين بأموال البنوك‏..‏ لقد مارسوا كل أنواع التحايل حتي حصلوا علي بلايين الجنيهات ثم أخذوها وهربوا تاركين السلطة تعيد حساباتها‏..‏ ولم يكن ذلك بسبب جشع رأس المال فقط ولكن جاء ذلك في شكل تواطؤ واضح وصريح من السلطة ممثلة في البنوك‏.‏


لم يكن غريبا أيضا ان يستخدم رأس المال كل امكاناته من أجل الحصول علي حصانة تحميه في مجلس الشعب أو الشوري‏,‏ وقد تكشفت لنا حالات كثيرة خرج أصحابها من مجلس الشعب لفساد في الذمم أو تحايل علي القانون أو إساءة استخدام الحصانة‏..‏ وبجانب هذا كانت تجاوزات توزيع الاراضي والمشروعات دون مراعاة لقواعد اقتصادية أو استثمارية‏..‏ أو حتي ابسط قوانين العدالة الاجتماعية‏.‏






وفي وقت ما اكتشفت السلطة ان رأس المال قد خدعها‏,‏ بل وضللها لانه لم يكن علي مستوي ثقتها وأحلامها فيه‏..‏ ومن هنا نشأت أزمة ثقة بين السلطة ورأس المال‏,‏ وكان السبب الرئيسي في ذلك ان التداخل بينهما كان شديدا علي كل المستويات‏,‏ بل ان هذا التداخل تجاوز كل الحدود والقوانين‏.‏


في جانب آخر دخل الإعلام لعبة صراع المصالح بين السلطة ورأس المال‏..‏ البعض من اصحاب رؤوس الأموال اشتري قنوات فضائية لكي يحمي مصالحه‏,‏ ويمارس نوعا من انواع الضغط علي السلطة‏..‏ أو علي أصحاب رؤوس الأموال الآخرين‏.‏ وهنا وجدنا معارك حامية بين رجال الاعمال والسلطة استخدمت فيها اسلحة من النوع الثقيل مثل القنوات الفضائية‏..‏ ودارت معارك اخري بين رجال الاعمال بعضهم بعضا وكانت ساحتها ايضا الفضائيات‏.‏






وعلي مستوي آخر كانت الصحافة تلعب دورا في هذه الصراعات اخذ في احيان كثيرة صورة حملات تشويه ضارب أو موضوعات نارية أو قصص واخبار افتقدت في أحيان كثيرة المسئولية والشرف‏.‏


وعلي مستوي ثالث كانت اجهزة الكمبيوتر والانترنت تشهد صراعات أخري أخذت احيانا شكلا سياسيا أو اقتصاديا‏..‏ وكان هدفها الأول هو التشهير‏.‏






ولم تنج بقية الصحف من هذه الصراعات خاصة اذا وضعنا خريطة الاعلانات سواء كانت اعلانات رأس المال أو السلطة‏,‏ وكلاهما حاول أن يمارس ضغوطه من خلال هذه الورقة الرابحة‏.‏


ولكن في احيان كثيرة هدأت حدة المعارك والصراعات بين هذه الثلاثية‏:‏ رأس المال‏,‏ والسلطة‏,‏ والإعلام‏..‏ حتي وصلت الي مايشبه صيغة الاتفاق‏,‏ ولعل هذه هي اخطر وأسوأ المراحل التي وصلت اليها العلاقة في هذا الزواج الباطل‏.‏






لقد انتهت كل الصراعات علي مائدة اتفاق واحد يقوم علي اساس الابقاء علي كل شيء علي حاله‏,‏ فليس في الإمكان افضل مما نحن فيه‏.‏


هنا التقت مصالح السلطة في الابقاء علي رموزها ومصالح رأس المال في استمرار مكاسبه ومصالح الإعلام في ان يبقي صاحب دور حتي وإن تناقض في احيان كثيرة مع مسئولياته ورسالته‏.‏






في تقديري ان هذا الزواج الباطل هو اخطر ما تعانيه مصر‏,‏ لأنه يتجاوز في تأثيره حدود الاشخاص والمؤسسات والادوار‏..‏ انه يتحكم في حركة المجتمع كله‏..‏ إذا أراد فعل وإذا قرر نفذ واذا تحايل نجح‏.‏


ان اخطر ما في هذه الثلاثية انها جعلت من لغة المصالح الهدف والغاية التي تسبق كل شيء ابتداء بلفظ جميل قديم اسمه الانتماء وانتهاء بصورة كنا نعلقها علي الجدران اسمها الوطن‏.‏






وفي ظل هذه التركيبة المتشابكة يصبح الحديث عن تغيير شخص أو مسئول نوعا من المسكنات التي لاتصلح أن تكون علاجا‏..‏ ولهذا فان المطلوب موقف حاسم يقضي تماما علي هذه العلاقة الغريبة بحيث تعود السلطة الي قدسيتها وشفافيتها ودورها في حماية المجتمع وتأمينه‏..‏ ويعود رأس المال الي دوره المسئول بعيدا عن الابتزاز والتحايل‏..‏ ويعود الإعلام دعوة للحق والحقيقة وسيف أمان ضد كل التجاوزات حتي لو كانت أخطاء السلطة أو خطايا رأس المال أو تجاوزات الإعلام نفسه‏.‏


لابد من فض الشراكة بين ثلاثية رأس المال والسلطة والإعلام لأنها شراكة باطلة‏..‏ وزواج مرفوض حتي نبدأ صفحة جديدة اكثر شفافية وتقديرا للمسئولية وتحديدا للأدوار‏.
 
 
هوامش حرة 25/6/2004