Loading

الجمعة، 22 يناير، 2010

أيام في السودان ‏(2)‏ لعنـــة السيـــــاســـة

أيام في السودان ‏(2)‏



لعنـــة السيـــــاســـة


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة










عندي يقين قديم أن ما بين مصر والسودان أكبر من كل الخلافات الطارئة أو المصالح العابرة‏.‏ وإذا كان من الخطأ أن ننظر للعلاقات المصرية ـ السودانية من منظور الشعارات‏..‏ فإن الخطأ الأكبر أن نتجاهل العلاقات الأزلية بين الشعبين الشقيقين‏.‏ ولهذا فإن القضية تحتاج إلي لغة للمصالح لا تتجاهل بأي صورة من الصور ثوابت العلاقات التاريخية وما تحملها من مقومات في تاريخ مصر والسودان‏..‏ ان هذه المقومات هي الأرض الخصبة التي نلقي فيها البذور الطيبة حتي تؤتي ثمارها في علاقات تحقق مصالح الشعبين الشقيقين‏.‏


ولابد أن نعترف أن سجل العلاقات المصرية ـ السودانية يحمل لحظات كثيرة من الألم والاحساس بالإحباط ان يمضي مصير بلدين شقيقين إلي كل هذا الفراغ السحيق‏..‏ من يصدق أن يكون السودان في آخر قوائم العلاقات الدولية المصرية وأن تكون مصر مثل عشرات الدول في أجندة العلاقات الدولية السودانية‏..‏ وهذا الكلام نسمعه كثيرا في الخرطوم من المسئولين والسياسيين والمثقفين‏.‏ وإذا سألت يقولون لك إن مصر هي التي ابتعدت وان كل شيء في السودان مازال حتي الآن يحمل مشاعر خاصة لكل ما هو مصري ابتداء بالسلع التي نستوردها وانتهاء بالغناء الذي يطربنا‏.‏






يقولون لك في الخرطوم لم نستطع الخلاص من عشقنا لبلدنا الثاني في أكثر ظروفنا صعوبة وحساسية‏..‏ ولكن مصر هي التي تخلت‏.‏


في الأشهر الأخيرة حدثت تطورات سريعة ومتلاحقة نتيجة زيارة الرئيس مبارك للخرطوم ذابت ثلوج كثيرة والتأمت جراح ما كان ينبغي أن تكون‏.‏ وعادت جسور كثيرة للمودة والتواصل‏,‏ ولكن هذا كله لا يكفي في حالة فريدة مثل علاقات مصر والسودان‏.‏






ولكن المؤكد أن المرحلة المقبلة سوف تشهد واقعا جديدا في العلاقات بين البلدين في كل المجالات بعد توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة‏.‏


ولا شك أن السياسة كانت وراء حالات الفتور والجفوة التي أصابت في مراحل مختلفة العلاقات المصرية ـ السودانية علي المستوي الرسمي‏,‏ وإن بقيت العلاقات بين الشعبين أكبر من كل الخلافات‏..‏ ان في مصر أكثر من أربعة ملايين سوداني وهناك من يري أنهم ستة ملايين‏..‏ وهناك أنساب تداخلت بين العائلات في المدن والقبائل في الجنوب‏..‏ وهناك أفواج من البشر تسللت من صعيد مصر إلي شمال السودان أو من شمال السودان إلي جنوب مصر‏..‏ وكانت التجارة في السودان تقوم علي كل السلع المصرية‏..‏ وكانت صادرات السودان تتجه أولا إلي مصر وبعد ذلك يكون نصيب العالم منها‏.‏






من المحطات التي تركت آثارا سيئة علي العلاقات المصرية ـ السودانية موقف ثورة يوليو وحالة الشك التي تركتها الثورة لدي الشعب السوداني الذي كان يتطلع إلي تجربة ديمقراطية وليدة كانت القاهرة تخشاها وهي تتجه إلي حكم الفرد‏..‏ ورغم أن المجتمع السوداني يسيطر عليه تاريخ طويل من الطائفية والقبلية‏,‏ إلا أنه كان يري أن الديمقراطية هي طريقه الوحيد من أجل مجتمع أكثر استقرارا‏..‏ وكان أمام الجميع تجربة الهند العظيمة بكل ما فيها من خلافات ثقافية ودينية وعرقية إلا أنها استطاعت أن تذيب كل هذه الصراعات في بوتقة الديمقراطية‏.‏


ولهذا كان الخلاف الأول بين ثورة يوليو والسودان‏,‏ ان السودانيين يريدون أن يمارسوا حقهم في حماية تجربة ليبرالية وليدة رغم كل التناقضات التي يعانيها المجتمع السوداني‏.‏






في جانب آخر كان اختفاء محمد نجيب ـ أول رئيس جمهورية لمصر ـ من الساحة سببا من الأسباب الرئيسية في تغير المشاعر علي المستوي الإنساني بكل ما كان يحمله نجيب من جوانب التوحد بين شطري الوادي‏.‏


كان من أسباب الجفوة أيضا‏,‏ محاولات الخلط بين التيارات الإسلامية في مصر والسودان‏..‏ ان الدين في السودان يختلف تماما عنه في مصر‏,‏ لأن الشعب السوداني يعتبر الدين مصدر حماية أمام ضغوط كثيرة قادمة من الجنوب تساندها كيانات دولية ضخمة‏..‏ وكان الشعب السوداني يعتبر نفسه حامل راية الإسلام في القارة السوداء‏..‏ وفي الفترات التي اشتبكت فيها ثورة يوليو مع التيارات الإسلامية في مصر في مراحل مختلفة كان ذلك من أسباب التوتر في العلاقات المصرية ـ السودانية رغم أنه من الثابت أنه لا توجد علاقة ما بين التيارات الإسلامية في البلدين‏.‏






وكان من الغريب أن يكون الحزب الشيوعي السوداني أقوي حزب شيوعي في العالم العربي‏,‏ وأن يقترب من السلطة في بعض الأحيان وأن يكون التيار الإسلامي في السودان أقوي التيارات الإسلامية في العالم العربي‏,‏ وكان ذلك يعني أن الأرض السودانية قادرة علي احتواء تجربة ديمقراطية تؤمن بالتعددية الحقيقية وتفتح كل أبواب الحوار‏..‏ وكان من الغريب أن يحدث ذلك في مجتمع تحكمه القبلية وتعدد المذاهب والأديان والألوان واللغات‏.‏


وقد اختلف الناس في مصر والسودان حول قرار انفصال السودان عن مصر في الخمسينيات في وقت كان فيه النحاس باشا زعيم الوفد يقول صراحة‏:‏ تقطع يدي ولا تفصل مصر عن السودان‏..‏ كان في السودان ملايين البشر الذين يؤمنون بذلك وفي مصر أيضا‏.‏






ولا شك أن انفصال مصر عن السودان دخل بالعلاقات المصرية ـ السودانية في متاهات كثيرة اقتربت أحيانا من الخلافات المعلنة‏..‏ وبقيت هناك بعض الثوابت التي تجعل القطيعة أمرا مستحيلا وان استبدلنا القطيعة بالجفاء‏.‏


وإذا راجعنا خريطة العلاقات المصرية ـ السودانية سوف نكتشف أنها مرت بمنحنيات كثيرة وكانت السياسة في كل الأحوال هي المحرك الأساسي في مسيرة هذه العلاقات‏..‏ كانت سلطة القرار وليس الارادة الشعبية في البلدين الشقيقين هي دائرة الحسم في مستوي هذه العلاقات ومدي تواصلها‏..‏ وان كانت السياسة قد بقيت في كل المراحل تمثل عبئا ثقيلا علي العلاقات المصرية ـ السودانية‏.‏






وفي ظل هذه المتغيرات الحادة كان الشعب السوداني يعاني كارثة الجنوب التي اشتعلت منذ أكثر من عشرين عاما واستنزفت موارد الدولة السودانية علي المستوي الاقتصادي والبشري‏..‏ ولا شك أن مأساة الجنوب شغلت السودان الدولة والشعب عن قضايا كثيرة كان من بينها علاقته التاريخية مع مصر‏.‏


كما أن مصر بحكم الظروف والضغوط والواقع اتجهت شرقا في مأساة الصراع العربي ـ الإسرائيلي وقضية الشعب الفلسطيني‏..‏ وما بين مأساة الجنوب في السودان ومأساة الصراع العربي ـ الإسرائيلي في فلسطين‏,‏ دفعت العلاقات المصرية ـ السودانية ثمنا غاليا في الخمسين عاما الماضية‏..‏






لقد تراجع مستوي التعاون بين البلدين وسقطت مشروعات كبري ومنها مشروع زراعة أراضي الجزيرة علي حدود وادي حلفا بين مصر والسودان‏..‏ وتراجع التبادل التجاري والتنسيق الانتاجي واستغلال الثروات في البلدين‏..‏ وبدلا من أن تشهد العلاقات المصرية ـ السودانية عمليات تهجير في إطار خطط للتعاون والانتاج وجدنا العمالة المصرية تتجه بالملايين إلي بلاد الرافدين حيث دجلة والفرات أو إلي دول النفط حيث المال والعائد السريع أو إلي الأراضي الليبية‏..‏ وما حدث مع المصريين حدث أيضا مع السودانيين الذين انطلقوا إلي دول الخليج باحثين عن الثروة‏..‏ وما بين بحث المصريين والسودانيين عن المال في حقول النفط سقطت كل مشروعات التعاون الزراعي والانتاجي بين شطري الوادي العظيم‏..‏ وفي الوقت الذي عادت فيه الوفود المهاجرة من مصر والسودان بالمال من بلاد النفط كانت مشكلة الغذاء في البلدين الشقيقين قد وصلت إلي أسوأ حالاتها حيث كان من المفروض أن يصبح السودان بأرضه الخصبة مع العمالة المصرية ومياه النيل مزرعة تطعم كل العرب وليس مصر والسودان فقط‏.‏


وسقط حلم التكامل الزراعي بين مصر والسودان في صحراء البترول وعاد المصريون والسودانيون بعد رحلات غياب طالت‏,‏ منهم من غير حمام البيت ومنهم من اشتري شاليها علي الشاطئ ومنهم من ملأ البيت بأجهزة التليفزيون والفيديو‏,‏ وفي آخر المطاف ذهبوا يشترون القمح بأغلي الأسعار ويتركون من يساوي ومن لا يساوي يتحكم في قرارهم ومصيرهم ومستقبلهم‏..‏ حدث هذا والأرض الخصبة بين أيديهم والماء يجري من تحت أقدامهم ولا يفصل بينهم إلا بضع كيلومترات هي المسافة مابين بحيرة ناصر ووادي حلفا‏.‏






لا شك أن هذه الأخطاء تدخل في نطاق الأخطاء الفادحة لأن الجميع دفع ثمنها خاصة المواطنين في البلدين‏..‏ لو أن الملايين الذين تركوا مصر أو السودان‏,‏ أيا كانت البلاد التي هبطوا فيها بذلوا العمر والشباب علي ضفاف النهر الخالد لتغير وجه الحياة تماما‏.‏


قلت إنها السياسة التي لعبت بأقدار الشعوب وتركت آثارها السيئة علي كل شيء بين البلدين في الفكر والثقافة والعلاقات الإنسانية والتعامل في كل المجالات وأمام هذه الأخطاء لم يكن غريبا أن يذهب المصريون لاستئجار أرض يزرعونها بالقمح في رومانيا والأرجنتين‏..‏ وان تبقي ملايين الأفدنة في السودان تسكنها الحشرات‏..‏ بينما هناك نهر عظيم كان هو الأحق والأجدر أن نغتسل فيه من كل خطايانا في حق علاقة تاريخية لايمكن تعويضها‏..‏






والسؤال الآن‏:‏ كيف نعيد للعلاقات المصرية ـ السودانية روافدها من جديد؟‏..‏






هذا حديث قادم‏.‏