Loading

السبت، 10 مارس، 2012

هوامش حره : المصريون‏..‏ ولعنة الحصانة

هوامش حره
المصريون‏..‏ ولعنة الحصانة
بقلم: فاروق جويدة
28/10/2011




من أخطر الأشياء التي أفسدت الحياة السياسية في مصر لعنة الحصانة هذه التعويذة التي اشتراها محترفو السياسة ليس بهدف الإصلاح أو المشاركة ولكن بهدف الحماية‏..
وكانت كلمة الحماية تعني أشياء كثيرة ابتداء بتجارة الممنوعات وانتهاء بالحصول علي مكاسب وأموال دون وجه حق..
كانت الحصانة هي المرض الذي أصاب المناخ السياسي في مصر وأفسد سلوكيات الناس وأهدر قيم العدالة والمساواة وكان المغامرون من تجار الحصانة يدفعون فيها ملايين الجنيهات لأنهم واثقون أن هذه الملايين سوف تعود إليهم بعد شهور قليلة من حمل هذه التعويذة السحرية الرهيبة..
كانت الحصانة هي القميص السحري ضد كل أنواع الرصاص السياسي والسلوكي والأخلاقي.. وما أكثر الذين استفادوا من الحصانة حتي أنها تحولت إلي جواز سفر مفتوح نحو كل الأهداف والمصالح..
والمفروض الآن أن مصر علي أبواب زمن جديد وواقع متغير وأن الواجب والمسئولية يحتمان علينا أن نتخلص من رواسب الماضي الأليم حتي نفتح صفحة جديدة مع المستقبل.. وقد يتساءل البعض ولماذا كل هذا التحامل علي الحصانة وهي تمثل عرفا دوليا بالنسبة لفئات اجتماعية كثيرة ابتداء بالبرلمانات وانتهاء بالكثير من المهن والأعمال الحساسة التي تتطلب قدرا من الحماية بل إن هذه الحصانة كانت أحيانا وسام استحقاق لأشخاص وعائلات ومناصب في دول كثيرة..
وأقول.. لسنا ضد الحصانة بمعناها المحدد ولكن شبح الحصانة لم يكن مجرد سياج يحمي صاحبه وهو يؤدي عملا.. لقد تحولت كما قلت إلي تعويذه سرية يستخدمها صاحبها في كل شيء ابتداء باختيار أعلي وأفضل الفرص للأبناء وربما الأقارب وانتهاء بالمرور من الجوازات دون تفتيش.. ودخول الأقسام وتخليص المصالح بأرقام مجزية واقتحام مكاتب الوزراء والحصول علي تأشيرات غير مضروبة وبيع الموافقات والاستيلاء علي الأراضي وتزوير الوثائق دون سؤال من أحد كانت هذه الخطايا هي حصاد الحصانة عندنا في ظل النظام السابق ولهذا سعي إليها المنتفعون والسماسرة وتجار الفرص والغنائم..
إن أمام المصريين الآن فرصة نادرة لانتزاع حقوقهم في ظل فكر وسياسة جديدة تسعي لمنع التمييز بين المواطنين واعتباره جريمة.. وفي تقديري أن أولي خطوات هذه السياسة هو إلغاء حصانة أعضاء مجلس الشعب وإعادة النظر في الكثير من المميزات الخاصة التي تحصل عليها فئات كثيرة من المجتمع وتحولت مع الاستبداد والقهر إلي مراسم سلطانية لتوزيع العطايا..
إن الأصل في حصانة أعضاء مجلس الشعب علي سبيل المثال أن نوفر لهم كل سبل الحماية في محاسبة السلطة التنفيذية تحت قبة البرلمان.. بمعني أن من حق عضو مجلس الشعب أن يسأل الوزراء ويحاكم الحكومة وأن يقدم الاستجوابات وطلبات الإحاطة بل وأن يسحب الثقة من الحكومة كلها.. أن الحصانة تعطي لأعضاء مجلس الشعب كل هذه الحقوق.. وهنا ينبغي أن نفصل بين الحصانة في إبداء الرأي والتعبير عن موقف والحصانة في عدم تفتيش السيارات أو الحقائب في المطارات وما تحتويه من الممنوعات..
إن المفروض أن عضو مجلس الشعب صاحب حق في الحصانة تحت قبة البرلمان وليس خارجها.. انه في الشارع مواطن عادي يحظي بحب الناس لأنهم اختاروه ممثلا لهم وهم قادرون علي حمايته.. أنه يصول ويجول تحت قبة البرلمان ولا يحاسبه أحد ولكن ليس من حقه أن يقتحم بعنف مكتب وزير ما للحصول علي تأشيرة غير قانونية أو بيع الوظائف للمواطنين أو الخروج من المطار بطربة حشيش أو كمية من الدولارات المزيفة أو فتح مكاتب لشراء الوظائف والكليات مقابل مبالغ مالية رهيبة أو التحايل في ميزانيات العلاج علي نفقة الدولة.
علي جانب آخر فإن الحصانة التي يتمتع بها بعض الأشخاص لحساسية أعمالهم ومسئولياتهم ينبغي أن تتوقف عند حدود المنصب والمكان.. لا ينبغي لشخص ما أن يضرب عرض الحائط بإشارات المرور لأنه يتمتع بحصانة ما.. ولا ينبغي أن يستخدم أصحاب الحصانة هذه التعويذة في توريث مناصبهم لأبنائهم ويكفينا ما حدث من كوابيس التوريث الثقيلة.. لا ينبغي أن يرث طالب فاشل منصب أبيه لأن أباه يحمل الحصانة.. أن هذا يتعارض تماما مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وهذا ما يرفضه قانون منع التمييز..
وعندما يقف مسئول رفيع ليعلن أنه لن يفرط في حق ابنه في أن يرث وظيفته ويتمتع بحصانته فهذه حصانة زائفة وظلم فادح..
أن للقلم الصحفي حصانة في انتقاد موضوعي وحرص علي أمانة الكلمة وحين يتحول القلم إلي رصاصة تسكن صدر إنسان بريء فإن القلم يسقط وتصبح الحصانة شيئا ليس له معني.. أن انتهاك حرية الأشخاص والاعتداء علي حرماتهم جريمة لا يمكن أن تحميها حصانة كما أن بيع الكلمة لا يمكن أن يمنحها شرف الحماية فلا حماية للصوص والمزورين وكذابي الزفة وحملة المباخر والأقلام الساقطة..
لقد اسرفنا كثيرا في العهد البائد في استخدام تعويذة الحصانة.. هناك فئات كثيرة حصلت علي مميزات ومكاسب رهيبة حتي وأن لم تحمل معني الحصانة بشكلها القانوني.. إن أي إخلال بحقوق الناس وتوفير مقاييس العدالة والمساواة يعتبر جريمة يحاسب عليها القانون..
وما أكثر الجرائم التي ارتكبها النظام السابق تحت ستار الحصانة سواء كانت معلنة أم خافية.. وربما كان هذا هو السبب الأساسي في اختلال منظومة العدالة في مصر لسنوات طويلة..
كان توريث المناصب في مصر جريمة كبري حيث جلس علي قائمة العاملين في الدولة أبناء كبار المسئولين دون كفاءة أو ثقافة أو تقدير للمسئولية.. وقد تسربت هذه الجريمة حتي أصبحت تهدد رأس الدولة وقد ترتب علي ذلك كوارث مخيفة في ظهور أمراض كثيرة في السلطة حملت للمصريين وجوها غريبة في الحكومة والحزب المنحل ومؤسسات الدولة السيادية ومواقع كثيرة شغلها أشخاص غير مؤهلين وقد دفعت مصر ثمن ذلك كله حين غابت الكفاءات واختفت القدرات وانسحبت المواهب وخسرت مصر أفضل وأنبل أبناءها..
كانت هناك ألوان مختلفة من الحصانة في أرض المحروسة..
كانت هناك حصانة أصحاب الأموال من بعض العائلات التي دخلت في زواج باطل مع السلطة فتوافرت لها كل إمكانيات الثراء غير المشروع ابتداء بالقروض من البنوك وانتهاء بشراء أصول الدولة المصرية بأبخس الأسعار..
كانت هناك حصانة غير معلنة لبعض مؤسسات الدولة التي شاركت في انتهاك الحريات وقمع المواطنين وترسيخ دولة الاستبداد والبطش..
كانت هناك حصانة للتجار والمهربين وهم يمارسون أسوأ أنواع الاستغلال للمواطن المصري دون أن يقترب منهم أحد..
كانت هناك حصانة لأعداد كبيرة من المسئولين لتحقيق مكاسب غير مشروعة في تجارة الأراضي والمضاربة في البورصة وما حمله ذلك كله من إهدار لحقوق المواطنين خاصة البسطاء منهم..
كانت هناك حصانة لأبناء المسئولين الذين تحولوا إلي عصابات نهبت أموال هذا الشعب دون جهد أو عمل..
كانت هناك حصانة للمرتزقة الذين مارسوا كل ألوان التضليل الإعلامي والصحفي والثقافي في إعلام الدولة وحظيرتها الثقافية.. وهنا استطاع الجهلاء وعديمو المواهب أن يتصدروا المشهد الإعلامي والثقافي سنوات طويلة تحت دعوي حماية النظام وحين تهاوي النظام هرولوا جميعا إلي ساحات الثوار بعد أن غيروا جلودهم ومواقفهم وقالوا نحن من الثائرين..
كانت هناك حصانة لقيادات الحزب المنحل والمحافظين والعاملين في أجهزة الأمن والمحليات وتوابعها.
نحن أمام كارثة أخلاقية وسياسية وسلوكية تسمي الحصانة.. وهي تحمل أكثر من وجه.. هناك حصانة قانونية يجب أن تتغير ولا تتجاوز حدود المنصب ومسئولياته ولا يعقل أن تصاحب حاملها في كل مكان ابتداء بغرفة نومه وانتهاء بتزييف وقائع الجرائم في محاضر الشرطة..
إن الحصانة البرلمانية ينبغي أن تكون داخل مجلس الشعب فقط.. وحصانة الكاتب يجب أن تبقي في حدود صدق مواقفه وموضوعية ما يكتب.. وحصانة القاضي هي احترام أحكامه.. وحصانة رجل الشرطة في تقدير مسئولياته واحترام المواطن وحصانة الوزير في طهارة يده وشفافيته.. وحصانة الفنان فيما يغرس في الناس من القيم والمباديء.. أما أن تتحول الحصانة سواء كانت قانونية أو عرفية إلي سيف مسلط علي رقاب الخلق للبحث عن مكاسب ومصالح فهذه جرائم ضد كل القوانين والأعراف..
إن الحصانة الحقيقية التي ينبغي ان توفرها الدولة وتحميها هي حماية حقوق المواطنين دون النظر إلي دين أو أصل أو نسب.. وفي اليوم الذي يدرك فيه أعضاء مجلسي الشعب والشوري أن حصانتهم لن تتجاوز قبة البرلمان لن تجد من يدفع ملايين الجنيهات لكي يحصل عليها.. وسوف يفكر كل حامل حصانة في موقفه في أي مكان قبل أن يتحايل علي عباد الله.. يجب أن تسبق حصانة الضمير حصانة السلطة فالسلطان إلي زوال والضمائر هي الباقية..
نحن الآن علي أبواب انتخابات برلمانية سوف تفتح لنا مستقبلا جديدا ويجب ان نتخلص من أوبئة الماضي حتي لا نجد أنفسنا مرة أخري أمام نفس الوجوه الكالحة التي أفسدت حياتنا ووصلت بنا إلي ما نحن فيه..