Loading

السبت، 17 مارس، 2012

هوامش حره : المصريون‏..‏ واختيار الرئيس

هوامش حره
المصريون‏..‏ واختيار الرئيس
بقلم: فاروق جويدة
16/03/2012


لا أعتقد أن الشارع المصري قد شهد يوما هذه الحالة من الانقسام بين أبناء الشعب الواحد ومن يتابع ما يجري علي ساحات الإعلام بوسائله المختلفة يكتشف أن مصر أصبحت الآن أكثر من شعب وأكثر من وطن وأكثر من فريق‏..
لقد عصفت بنا انقسامات داخلية غريبة هي بكل المقاييس جديدة علينا وبقدر ما أخرجت ثورة يناير أفضل ما فينا أخلاقا وسلوكا بقدر ما أفرزت سلبيات كثيرة هي حصاد ما خلفه النظام السابق من اختلال في منظومة القيم خاصة ما يتعلق بسلوكيات المواطن المصري.. إن بناء أو هدم عمارة قضية سهلة وبسيطة لا تستغرق الكثير من الوقت أو الجهد ولكن تدمير البشر وإعادة بنائهم يحتاج إلي زمن طويل وسوف تكون هذه القضية هي أخطر ما يواجهنا في السنوات المقبلة أن نعيد بناء الإنسان المصري الذي خربته أزمنة النهب والفساد..
منذ قيام الثورة شهدت مصر عمليات انقسام حادة بقدر ما توحدنا في أيام الثورة الأولي في كل شيء بقدر ما كان الانقسام حادا وعنيفا ومدمرا بعد أسابيع فقط من الإطاحة برأس النظام السابق..
لقد ظهرت في الشارع المصري كل الرواسب التي خلفها الفساد في نفوس الناس وسلوكياتهم.. توحدنا في ميدان التحرير في مواقفنا ومواقعنا وملامحنا وأحلامنا وبعد ذلك أنشق الصف لتخرج علينا كل أمراض الانتهازية والأنانية والتسلق والجري وراء الغنائم وكان أول الخاسرين هم الشباب الحقيقي الذي أشعل هذه الثورة ودفع الثمن غاليا من دمائه وحياته..
هناك من قفز علي الانتخابات البرلمانية واختطف ثمارها وهناك من أسرع إلي الفضائيات ومن جري إلي الدعم الخارجي وهناك أيضا من لحق بمواكب الفلول التي عادت وبين يديها أموال طائلة ورغبة تسبقها في الانتقام وتصفية الحسابات مع الثورة.. ومع المزيد من الانقسامات كانت هناك أزمات كثيرة شاركت فيها مواكب الفوضي وعدم الاستقرار.. كانت عودة المطالب الفئوية بكل ألوانها وقد أخذت أشكالا عديدة.. ثم كانت غيبة الأمن وانتشار أعمال البلطجة في الشارع.. ثم جاءت الانتخابات وأنقسم المرشحون والناخبون أمام القوي السياسية المتصارعة.. وطوال هذه الفترة لم يتفق المصريون علي شيء حتي الآن ومن يتابع المعارك الوهمية في الإعلام يكتشف هذه الحقيقة بقدر ما جمعتنا أيام الثورة الأولي بقدر ما اتسعت الخلافات بيننا بعد ذلك..
وصلت حدة الخلافات إلي أقصي درجاتها في الانتخابات البرلمانية بين التيارات السياسية التي لم تتفق علي شيء ما بين الإسلاميين والليبراليين ثم انتقلت إلي جلسات مجلس الشعب ثم كان الانقسام الأكبر في الخلاف الشديد بين أبناء الشعب حول موقف المجلس العسكري وطريقة إداراته لشئون الدولة في المرحلة الانتقالية.. كان من الممكن أن نتجنب كل هذه الصراعات لو صدقت نوايا جميع الأطراف ولكن يبدو أن النوايا لم تكن صادقة تماما من الجميع.. لقد قفز الإسلاميون علي السلطة التشريعية واستأثروا بها.. وقفز بعض الليبراليين علي مواقع أخري تاركين رفاقهم في الميدان يواجهون قدرهم بينما وقف المجلس العسكري حائرا بين مسئوليات فرضتها الأقدار في لحظة تاريخية حاسمة وولاء قديم لم يتخلص منه تماما..
وإذا كان من الممكن أن نضع مراحل مختلفة للانقسامات في الشارع المصري فيمكن أن نلخصها في صراع المليونيات.. ثم معارك الانتخابات.. ثم تصفية الحسابات.. ثم مرحلة مخلفات الثورة وسوف تحملنا المرحلة الأخيرة إلي معركة حاسمة ومخيفة وهي اختيار رئيس الجمهورية..
لا أعتقد أن رئاسة مصر الآن تعتبر مكسبا كبيرا لأن القادم الجديد إلي قصر الرئاسة لن يجد أمنا يحميه ويلقي علي عاتقه المشكلات والأزمات.. ولن يجد أموالا يبعثرها هنا وهناك ولن يجد مواكب فساد تحيط به.. وقبل هذا عليه أن يواجه مصيرا غامضا أمام وطن مدين.. وشارع مشحون تعبث به انقسامات عاصفة.. من يقرأ خريطة المرشحين للرئاسة سوف يجد أكثر من جبهة منقسمة علي نفسها وليس فقط مع الآخرين.. ولأنني لا أريد أن أخوض في أسماء المرشحين فنحن أمام أكثر من تيار..
< نحن أمام جبهة التيار الإسلامي وللأسف الشديد هي أكثر الجبهات انقساما لأنها تضم أكثر من مرشح بارز ولعل السبب في ذلك أن التيار الإسلامي نفسه يواجه انقساما حادا في المواقف والمصالح والأفكار وأن الخلافات بين هذا التيار وفصائله المختلفة ربما تكون أوسع من صراعاته وخلافاته مع تيارات أخري تبدو معارضة له.. هذا الانقسام سوف يجعل من الصعب جدا حسم الجولة الأولي من الانتخابات الرئاسية لمصلحة مرشح واحد من هذا التيار ولهذا فإن الإعادة ستكون شيئا ضروريا..
< نحن أمام تيار ليبرالي هو الآخر منقسم علي نفسه بين عدد من الرموز سواء كانوا شركاء في الماضي أو محسوبين عليه.. وهذا التيار أيضا يعاني انقسامات حادة ولا يوجد فيه مرشح قادر علي أن يحسم النتيجة من جولتها الأولي.. وإن كان هذا التيار يعاني من أزمة حقيقية وهي ظلال من الماضي تطارده رغم كل ما يبديه من مظاهر الرفض عن مدي شراكته لهذا الماضي..
< هناك تيار ثالث مختلط غير معروف الهوية أو الانتماء ويضم عددا كبيرا من المرشحين جاءوا من مواقع مختلفة ربما كانت شعبية أو سيادية ولكن الذي يجمع بينها شيء واحد أنها مناطق مجهولة بلا تاريخ يبقي في آخر قائمة المرشحين مئات الأشخاص الباحثين عن الشهرة والأضواء وكأننا في نهائي الدوري العام..
قلت إن الأزمة الحقيقية التي ستواجه الانتخابات الرئاسية هي انقسامات الشارع المصري والتي تجعل من الصعب جدا تحديد مسار واقعي لنتائج هذه الانتخابات ولا أعتقد أن هناك قوة وحيدة في الشارع المصري حاليا لديها القدرة علي حسم نتائج الانتخابات لأنها جميعا قوي مشرذمة..
إن الخلاف واضح بين الإسلاميين سواء كانوا الأخوان المسلمون أم السلفيون أم الجماعة الإسلامية وأين تقف قوي الصوفية من هذه الفصائل وهل يمكن أن يتفق الجميع علي أسم مرشح واحد رغم الخلافات التي تبدو بين المرشحين جميعا..
إن الخلاف أشد بين المرشحين الليبراليين وكل واحد منهم يحمل تاريخا فيه السلبيات والإيجابيات ولكنه يسعي إلي استقطاب التيارات الإسلامية رغم أنها أولي بمرشحيها إذا كان هناك مجال للتفضيل..
أن الغريب في الأمر في هذه القراءة للمشهد المنقسم في الشارع المصري بين القوي السياسية المختلفة هو غياب قوي الثورة الحقيقية عن هذا المشهد.. إن التيارات الإسلامية ليست جديدة علي الساحة السياسية سواء كانت حرة أو مقيدة ولكنها كانت موجودة وقد شاركت في اللعبة السياسية قبل الثورة وهي تعرف الكثير من سراديبها وتتحمل الكثير من مآخذها أن الشيء الجديد عليها هو هذا الوجود القوي والمؤثر والذي وصل بها إلي أن تكون أهم القوي علي الساحة السياسية خاصة بعد اكتساحها لمجلسي الشعب والشوري..
إن التيارات الأخري ولن أسميها ليبرالية لاختلاطها الشديد ليست جديدة علي الشارع المصري أيضا لأن فيها ظلالا كثيفة من الماضي وهي تلعب في نفس مناطق الحزب الوطني المنحل ومؤسسات النظام السابق وهي مازالت قوية ومؤثرة ولها دور كبير.. هنا يمكن أن نصل إلي نتيجة خطيرة أننا سنجد أنفسنا شئنا أم أبينا أمام رئيس جديد يحمل نفس جينات مرحلة سابقة سواء كان إسلاميا أم ليبراليا أم بلا لون.. هذا ما يؤكده المشهد السياسي في مصر الآن حيث لا توجد ملامح لشيء جديد مختلف خاصة أن القوي السياسية التي تسعي الآن للوصول إلي كرسي الرئاسة ليست جديدة علينا في الوجوه أو الأفكار والملامح.. وهذا يعني أن الثورة بالفعل لم تأت بجديد.. فلا الانتخابات البرلمانية حملت وجوه شبابها ولا الساحة السياسية شهدت ميلاد نجم من نجومها يمكن أن يتصدر المشهد.. ولا المناخ العام احتضن هذه النخبة من الشباب وقدمها إلي المجتمع بل إنه سعي إلي الإجهاز عليها والتخلص منها..
إن الجميع يتحدث الآن عن رغبة صادقة في أن نتجاوز المرحلة وتعود الأحوال إلي ما كانت عليه من الاستقرار والأمن والسياحة وتوفير مطالب الناس ولكن لا أحد يتحدث عن مشروع إعادة بناء وطن خربته مواكب الفساد, إن معظم برامج المرشحين للرئاسة تتحدث عن مطالب واضحة في الاستقرار وتحقيق العدالة والحريات وهي نفس الأفكار التي طرحها الثوار في ميدان التحرير عندما قاموا بثورتهم ولكن للأسف الشديد أن الشعارات حتي الشعارات لم يعد لهم حق فيها.. نحن أمام مئات المرشحين للرئاسة يتحدثون جميعا عن عودة الأمن ولا أحد منهم يذكر الثورة أو شبابها الغائب.. وهذا يؤكد أننا أمام مستقبل باهت بلا ملامح فمازالت مؤسسات العهد البائد قائمة.. ومازال الكثير من رموزها في مواقعهم.. ومازالت اللعبة السياسية ومنها الرئيس القادم محصورة في نفس الوجوه التي نعرفها وهنا يصبح من الصعب جدا أن ننتظر الجديد غير أن تكون هناك معركة انتخابية فاصلة بين وجه إسلامي ووجه آخر ليبرالي وقد يحسم هذا الصراع اتفاق مسبق بين جميع القوي علي شخص واحد وهو أيضا لا يعني أن هناك الجديد.. لست متشائما ولكن التفاؤل أمام هذا المشهد يصبح عبئا ثقيلا وشيئا غير منطقي وعلينا أن ننتظر..