Loading

السبت، 10 مارس، 2012

هوامش حره : لــــك اللـــــه يا مصــــــر

هوامش حره
لــــك اللـــــه يا مصــــــر 
بقلم: فاروق جويدة
19/08/2011






انتهت المعركة وبدأ توزيع الغنائم وللأسف الشديد أن أبطال المعركة الحقيقيين أصبحوا الآن في أطهر رحاب‏,‏ شهداء عند ربهم يرزقون, ولم يحملوا معهم شيئا,وتركوا لأسرهم أحزان عمر لن تنتهي ولن تغيب..
وامتلأت الشاشات والإذاعات والصحف بوجوه غريبة لم نشاهدها من قبل خاصة أن المعارك ضد النظام السابق كان لها الكثير من الشهداء والضحايا الأحياء والموتي ومازالت شواهد المواقف أمام أعيننا فكل واحد منا يحمل تاريخه أقرأ كتابك اليوم.. ولاشك أن الحقيقة لن تغيب..
كنت أتصور أن تكون مصر الآن قد فرغت من أشياء كثيرة وبدأت تدخل مرحلة جديدة.. كنت أتصور أن الأمن قد عاد والشرطة رجعت إلي مواقعها والشعب هدأت أحواله وعاد المواطنون إلي أعمالهم وعادت السياحة والإنتاج.. واستعادت الشوارع انضباطها ورجعت مؤسسات الدولة تعمل بكامل طاقتها..
كانت كل الأشياء تحمل هذه المؤشرات يوم أن رحل رأس النظام السابق وتهاوت مؤسسات الفساد.. مجلس الشعب.. ومجلس الشوري.. والحزب الوطني.. وأمن الدولة.. والأمن المركزي القديم.. ورموز النظام السابق من الكبار والصغار.. وسقوط حكومة لصوص المال العام.. كانت كل هذه الأشياء كفيلة بأن تترك للمجلس العسكري أن يدير شئون البلاد حتي تهدأ الأحوال ويأتي رئيس مدني بإرادة شعبية وبرلمان منتخب بلا تزوير وجهاز شرطة للوطن وليس للحاكم ومؤسسات تعمل لحساب الشعب.. ونخبة تدرك مسئولياتها في حماية أمن مصر واستقرارها..
ولكن للأسف الشديد سادت الساحة حالة من الغوغائية السياسية والإعلامية والسلوكية, أصبحت تهدد أكبر إنجاز صنعه المصريون في تاريخهم الحديث وأصبح نموذجا رفيعا لشعب متحضر.. كان ينبغي أن يفكر المصريون في مصر الجديدة الواعدة المتحضرة المستقرة وليس مصر الغنائم والبلطجية وصراعات النخبة وانتهازية المتسلقين.. والباحثين عن الفرص وكانت الشواهد علي ذلك كله شهادة فشل في لحظة تاريخية حاسمة..
كان ينبغي أن تتجه كل الجهود إلي مواجهة مشاكل المواطنين واحتياجات الفقراء والطبقات المحرومة التي طحنها نظام فاسد وضيع عليها كل فرص الحياة الكريمة.. كان ينبغي أن نفكر في هذا الشعب المظلوم لكي نعيد له حقوقه في مسكن مناسب ورعاية صحية وتعليم حقيقي وأمن واستقرار يعيد للإنسان كرامته الضائعة, كان الشارع المصري ينتظر أشياء كثيرة مع رحيل النظام السابق.. ولكن للأسف الشديد حملتنا أهداف أخري يبدو أنها تحولت إلي صراعات حول غنائم فاسدة ومكاسب مشبوهة.. وأن حملت جميعها اسم الثورة والثوار..
< من يصدق أن تستغرق منا معارك الدستور كل هذا الوقت وكل طرف يحاول أن يفرض وصايته من البداية علي كل الأطراف الاخري رغم أن الجميع يدرك أن الدستور يضع أساس كل شيء للدولة, وليس من حق أحد أن يكون وحده صاحب الكلمة فيه.. مازالت الساحة السياسية المصرية بكل طوائفها وتياراتها وتاريخها غير قادرة علي مجرد الاتفاق علي الأسس العامة التي يقوم عليها دستور البلاد.. وفي كل يوم نشهد معركة جديدة برغم أن فقهاء مصر صاغوا للعالم كله عشرات الدساتير في أزمنة مضت.. ألم يأت الوقت لكي يجلس عدد من رموز هذا الوطن وحكماؤه للاتفاق علي المباديء العامة لدستور جديد يحفظ للوطن هيبته وللمواطن كرامته وللقانون حرمته إلي متي ستظل الساحة السياسية غير قادرة علي الاتفاق علي أي شيء إنها حقا كارثة..
< ماذا بعد صراعات القوي السياسية في مصر.. وماذا بعد كل هذه الانقسامات اليومية؟ بداية أسأل: أين تجمعات الثوار الحقيقيين وليس ثوار الغنائم.. هؤلاء الشباب الذين ضحوا بأنفسهم وحياتهم في لحظة تاريخية خارج الزمن يتعرضون الآن لعمليات تشويه وتصفيات متعمدة أمام الرأي العام والقضاء والمحاكم وتحول الضحايا إلي جناة أمام متغيرات غير واضحة وغير مفهومة.. أين هؤلاء الآن وأين وحدة صفوفهم وأين قياداتهم ومشروعاتهم للمستقبل.. وهل انتهي كل شيء برحيل رأس النظام وما هي نهاية كل هذه الصراعات.. من يتابع المشهد السياسي في مصر الآن لا يصدق أن هذه الصورة التي يراها هي صورة الشعب الذي خرج يوم12 فبراير يعلن نجاح ثورته.. عشرات الفصائل بين شباب الثوار.. عشرات التجمعات الدينية المتصارعة والتي وصلت إلي حد تكفير بعضها البعض.. تجمعات ليبرالية وعلمانية وديمقراطية.. الأخوان المسلمون الذين اختلف أداؤهم بعد الثورة في كل شيء وأصبح أبعد ما يكون عن تاريخهم الطويل في مواجهة القمع والاستبداد.. كنت أتصور أن يكونوا أكثر أطراف اللعبة السياسية حكمة وعقلانية بحكم التاريخ والخبرة والتجربة.. حشود السلفيين التي أزعجت كل بيت في مصر, عشرات الجمعيات الإسلامية التي نزلت للعمل السياسي.. الصوفية أحباب الله ما علاقتهم بمستنقعات السياسة وفلولها.. هذا ما يحدث الآن في الشارع المصري بعد الثورة بينما الأحزاب القديمة تراجع أوراقها ومواقعها وهي لا تعلم أي القوي سوف يكون صاحب الكلمة رغم أن الكلمة يجب أن تكون لنا جميعا.. لكل المصريين الأقباط والمسلمين والعلمانيين والمؤمنين والملحدين هذه الثورة ينبغي أن تكون ميلادا جديدا لوطن جديد وإنسان جديد..
< ما هو آخر المطاف في الدور المشبوه الذي يلعبه الإعلام المصري ضد الثورة.. هل تسربت أموال الفلول إلي الساحة الإعلامية.. هل هناك صفقات مع ما بقي من رموز النظام السابق خارج السجون.. هل هم بقايا رجال الأعمال وبقايا الأبواق القديمة يحاولون عودة الزمان إلي الوراء.. ما هذا الكم الرهيب من فلول النظام السابق وأبواقه الذين اجتاحوا الإعلام المصري طوال شهر رمضان المبارك وأين كانت كل هذه البطولات الكاذبة التي يدعيها هؤلاء أمام النظام السابق.. وأين ملفات هذه الأسماء في قوائم النفاق والكذب وكلها شواهد مكتوبة ومصورة ومن كل لون.. ومن يقف وراء هذه الحملات المكثفة لتشوية الثورة وضرب رموزها, هناك أياد خفية ظهرت علي استحياء في البداية ثم تجرأت واقتحمت وأصبحت تتحدث عن النظام السابق بثقة غريبة ووجدناها علي شاشات كثيرة وصحف مأجورة ويستطيع الآن أي قارئ أو مشاهد أن يشم روائح كريهة بين السطور وأن يشاهد مقالب الزبالة الإعلامية علي مواقع كثيرة في الإعلام المصري.. من يشتري ومن يدفع ومن يبيع وأين الأيادي الخفية في ذلك كله سؤال يستحق الإجابة..
هل لدينا الشجاعة بأن نعترف بأن الإعلام بكل وسائله قد لعب دورا خطيرا في تشويه الثورة وإفساد العلاقة بين الشعب والمجلس العسكري وبين الثوار والجيش لقد قدم الإعلام المصري برامج كثيرة وأحاديث مطولة أساءت للمجلس العسكري والجيش المصري في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لجمع الشمل وتوحيد الكلمة..
< إذا كانت الخصومات والمعارك تهدد الثورة والإعلام يشعل نار الفتنة فإن المجلس العسكري لم ينج من ذلك كله.. لا يستطيع أحد وليس من حقه أن يشكك في وطنية المجلس العسكري وصدق نياته ومواقفه وهو حتي الآن من أصدق وأخلص أطراف اللعبة السياسية.. وإذا كنا سنفتح أبواب الشك والظنون فهناك أطراف أخري يمكن أن تدان غير المجلس العسكري.. أن في المجلس العسكري أشخاصا يفكرون كما نفكر ويرفضون كما نرفض ولكن الإسفاف في لغة الحوار قضية مرفوضة سواء مع المجلس العسكري أو غيره لأننا شعب يستحق مستوي رفيعا في الاختلاف والمعارضة ولهذا فإن التجاوزات مرفوضة وادعاء الوطنية ليس حقا لطرف علي حساب طرف آخر والجيش المصري جزء عزيز من هذا الشعب ومن الخطأ أن نتصور أن جيش مصر قد تحول إلي قوات أمن داخلي وننسي مسئوليات وأعباء وكوارث تجري علي كل حدودنا الآن.. غربا حيث الدماء التي تسيل في ليبيا الشقيقة.. وتهريب السلاح من جنوب الوادي.. وما تشهده سيناء من مؤامرات وما يحدث في سوريا من المآسي وقوي كثيرة تسعي للقفز إلي المنطقة.. يجب أن يدرك المصريون أن شعب وجيش مصر شيء واحد..
< هناك وجوه كثيرة تصدرت المشهد السياسي والإعلامي تحت اسم الثورة ومنهم اسماء كثيرة من الفلول التي استخدمها النظام السابق في كل شيء ابتداء بتدمير العقل المصري وانتهاء بنهب ثروات هذا الوطن.. والشعب المصري شعب ذكي وقد جاء الوقت لكشف هذه الفلول وتعريتها وإذا كان الإعلام المصري يريد التكفير عن أخطائه وتجاوزاته في حق المصريين فعليه أن يكشف خبايا وخطايا هذه الأسماء في ظل النظام السابق حتي لا تدعي البطولات الكاذبة..
< إذا كان هناك طرف يستحق أن يتصدر المشهد الآن ويكون في مقدمة كل شيء بحيث لا ننساه أبدا فهم شهداء الثورة الذين دفعوا الثمن أما فلول النظام السابق وأبواقه وحوارييه من السياسيين والإعلاميين وحملة المباخر فقد جاء الوقت لحسابهم قبل أن ينقضوا علي الثورة وعليهم أن ينسحبوا في هدوء يحفظ لهم كرامتهم إذا كان لديهم شيء من الحياء والخجل..
هل من العقل والحكمة أن يرتفع صوت الصراعات والمعارك بين القوي السياسية بهذه الصورة لو أننا استطعنا في الشهور الستة الماضية أن نقدم شيئا لهذا البلد لكان ذلك أفضل بكثير من كل هذه المعارك لو أننا واجهنا مشكلة واحدة كالأمن أو الأسعار أو البطالة لشعر المواطن المصري أن هناك ثورة قدمت له شيئا..
ثلاث جبهات ينبغي أن تتقي الله في هذا البلد.. محترفو السياسة.. ومحترفو الإعلام.. ومحترفو الدين.. ولك الله يا مصر..