Loading

السبت، 10 مارس، 2012

هوامش حره : في حضرة العدالة

هوامش حره
في حضرة العدالة
بقلم: فاروق جويدة
12/08/2011




سوف يتوقف التاريخ طويلا عند يوم‏3‏ أغسطس من عام‏2011‏ ليس فقط لأنه يوم محاكمة الرئيس السابق ورموز حكمة ولكن لأنه يوم العدالة في مصر‏..‏
لقد كنت دائما أرفض أن نضع مصر في مصاف الدول النامية اقتصاديا أو المتخلفة حضاريا أو ما يسمي دول العالم الثالث لأن مصر الأرض كانت مهد أول حضارات التاريخ ومصر الشعب مازال لديها من الشواهد ما يؤكد عراقة شعبها ومصر الواقع مازالت رغم كل مظاهر الفساد تضم نماذج بشرية رائعة في الفكر والرؤي ومصر الثوابت دولة عتيقة بكل مقاييس الثراء البشري والاقتصادي والحضاري العريق..
كانت محاكمة رئيس الدولة السابق رغم كل ما أحاط بها من مظاهر الاتفاق أو الاختلاف بيننا نموذجا رفيعا لشعب استطاع أن يقدم للعالم ثورة واعية مترفعة ابتداء بما شهدته من مظاهرات سلمية في أيامها الأولي وانتهاء بجلسة محاكمات كانت صورة من صور العدالة واحترام سيادة القانون.. لن أتحدث عن المحاكمة وما فيها من الاتهامات لأن كل شيء الآن أمام العدالة وحين يعلو صوت العدل ينبغي أن تطوي الصحف والأقلام.. أن رئيس دولتنا السابق يقف الآن أمام قاضيه وهنا لا ينبغي الحديث عن السلبيات أو الايجابيات في سنوات حكمه ولكن علينا جميعا أن ننتظر كلمة العدالة وهي تسبق كل شيء..
لابد أن أعترف أنني وقفت مبهورا أمام هذا المشهد التاريخي الذي لم نتخيله في يوم من الأيام وإن لم يكن غريبا علي دولة وشعب صنع التاريخ.. كنت دائما أقول إننا أول من علم الدنيا الفنون وأول من وجه البشر للتوحيد قبل ظهور الأديان وأننا أول من علم الكون الزراعة والمياه ومواسم الغرس والحصاد.. وأن أول دروس الجمال كانت في بلادنا وأول الحروب دارت علي أرضنا وأقدم الأنهار سري عندنا وأن موازين العدالة نشأت بيننا..
لم يكن مشهد3 أغسطس غريبا علي هذه الأرض حتي وان كان هذا الرجل الذي ينام علي سريره وحوله أبنائه ورموز حكمه كان ومنذ شهور أكبر رأس في هذا الوطن يأمر فيطاع إنه العدل أعظم صفات الخالق وأكثرها جلالا وبهاء وترفعا..
هناك مشاعر كثيرة تداخلت عندي وأنا أتابع سير المحاكمة أمام قاض جليل هو المستشار أحمد رفعت وقد قدم الرجل نموذجا فريدا في المحاكمة في الحسم والالتزام والأمانة حيث أعطي كل صاحب حق حقه وكان واسع الصدر والأفق وهو ينقل أحداث المحاكمة ما بين المتهمين في القفص والمحامين الذين يترافعون عن الشهداء والمطالبين بالحق المدني وكتيبة الدفاع.. كانت جلسة المحاكمة شهادة للعدالة في بلد علم الدنيا القوانين وشهادة لميلاد وطن جديد يحترم آدمية الإنسان فيه بحيث يحاسب الكبير قبل الصغير وعلينا الآن أن نمسك بهذه اللحظة المضيئة في تاريخنا الحديث ولا نتركها تفلت من بين أيدينا بعد اليوم..
تابعت المحاكمة بكل أحداثها وتفاصيلها وما دار بعدها وتوقفت عند بعض الملاحظات..
< كنت أتمني أن أري كتيبة المحامين المصريين الكبار في مقدمة الصفوف في الجلسة الأولي وهم يدافعون عن شهداء الثورة ورغم التعاطف والتقدير الشديد لشباب المحامين الذين جاءوا وبذلوا أقصي ما لديهم من الجهد إلا أن غياب المحامين الكبار عن المحاكمة ترك تساؤلات كثيرة كان أهمها: لماذا غاب الكبار هل لأن شهداء الثورة من الشباب الفقراء البسطاء خاصة أن سوق المحاماة الآن أسعارها غالية أم لأن السادة المحامين كان لديهم شك في إتمام هذه المحاكمة ولهذا غابوا عنها؟. كنت أتمني أن أري حشدا من رموز الدفاع في مصر وهم يصولون ويجولون أمام العالم دفاعا عن دماء شهدائنا وإن كنت أرجو أن نراهم في الجلسات القادمة رغم أننا نعلم أهمية الجلسة الأولي لأنها جلسة الإجراءات وما تشهده عادة من أحداث كبيرة.. شكرا لشباب المحامين الذين شاركوا.. وأرجوا أن تشهد الجلسات القادمة حشدا كبيرا من شباب المحامين وشيوخهم دفاعا عن دماء شهدائنا..
< في محاكمة3 أغسطس دروس كثيرة لا أشك لحظة أنها ستكون حديث العالم في السنوات القادمة.. كانت هذه المحاكمة شهادة اعتراف بنجاح ثورة25 يناير ومنها ومعها يبدأ تاريخ جديد.. وسوف تكون درسا لكل رئيس قادم يجلس علي السلطة في مصر وربما في العالم العربي كله.. ما حدث في مصر شيء فريد لم تشهده من قبل ولم يشهده العالم العربي في اي لحظة سابقة كما أن ما رأيناه ربما حدث في عهود سابقة قبل أن تغير التكنولوجيا الحديثة موازين الكون والحياة ومصائر الشعوب وكان يوم المحاكمة درسا من المصريين للأصدقاء والأعداء والمتربصين وعلي كل منهم أن يسترجع الصورة ويأخذ منها الدرس والعبرة فلا شيء أكبر من إرادة الله إذا قال لشيء كن فيكون.. وما حدث في مصر في الشهور الستة الماضية قدر الهي ومن فينا يملك منع إرادة خالق كل شيء..
< حزنت حزنا شديدا وأنا أسمع المرافعات والاتهامات والأحاديث علي مستوي اللغة العربية وما وصلت إليه فقد كانت هناك أخطاء بل خطايا فادحة ولعلنا مازلنا نذكر مرافعات المحامين المصريين الكبار ولغتهم الراقية الصحيحة التي كانت تمثل دروسا في الحكمة والإتقان واللغة الجميلة.. كانت هناك أخطاء لا تليق ونحن أمام محاكمة يشاهدها العالم كله.. وعادت لنا صور المحامين الكبار مكرم عبيد وأبو علم ومرعي ونصار والشرقاوي وكانت الحسنة الوحيدة هي قائمة الاتهامات التي قدمها ممثل النيابة في القضية فقد كانت نموذجا راقيا في اللغة السليمة والصياغة المحكمة والأداء الجميل..
أن مثل هذه القضايا تمثل تاريخا قضائيا وسياسيا وأدبيا وهي عادة تتحول مع الزمن إلي دروس في كل شيء حيث تتحول إلي مرجعية قانونية في أحكامها ودفوعها ومرجعية لغوية وأدبية في مرافعاتها وصياغتها ومرجعية سياسية في دروسها أمام التاريخ نحن أمام حدث لا يتكرر وينبغي أن نتعامل معه كظاهرة فريدة من نوعها..
< اعتقد أن جميع المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات القادمة سوف يقرأون هذه المحاكمة قراءة صحيحة لأنهم أمام تاريخ جديد وشعب جديد ودولة جديدة.. لن تكون أمامهم أجهزة بطش أمنية تستبيح كرامة الوطن والمواطن ولن تكون أمامهم عصابة من أصحاب المصالح الذين باعوا كل شيء ونسوا أنفسهم.. ولن تكون أمامهم وسائل إعلام كاذبة ومضلله من الكتاب والإعلاميين والمنافقين وكذابي الزفة.. ولن تكون أمامهم فرق من البلطجية يزورون بها الانتخابات ويخيفون بها المعارضين ولن تكون أمامهم مجالس نيابية وتشريعية مزيفة وقبل هذا كله لن يكون أمامهم شعب استسلم للقهر ثلاثين عاما ورضي بالعشوائيات والأمراض والاستبداد والمعتقلات والسجون
في محاكمة3 أغسطس درس لكل من يحاول تضليل هذا الشعب ولهذا فإن علي السادة المرشحين للرئاسة أن يستوعبوا الدرس قبل أن يضعوا أقدامهم علي السفينة..
< من حق المصريين أن ينقسموا حول محاكمة رئيسهم السابق وان تبقي فلول النظام تدافع عن مصالحها وقد كانت بالفعل مكاسب مخيفة ولكن لا ينبغي أن يحدث ذلك من الأشقاء في الدول العربية فنحن لم نناقش الشعوب العربية في حكامها ولم نتدخل في شئونها ولم نقل لهم يوما لماذا رضيتم هذا ورفضتم ذاك ولم نذكر أحدا بالسلب أو الإيجاب ولكن الغريب أن تقف بعض الأقلام لتوجه النصائح إلي الشعب المصري وتتهمه بالجحود والنكران.. وهذا تدخل في شئوننا مرفوض وإذا كان هؤلاء يريدون الدفاع عن الرئيس السابق فلا ينبغي أن يكون ذلك مطية للتجريح في85 مليون مصري فما زال في مصر من يدافعون عن النظام السابق ولم يسجنهم أحد.. وكنت أتمني لو إن الأقلام التي وجهت هجومها إلي الشعب المصري بسبب محاكمة رئيسه أن توجه كلمة واحدة لمن يحكمون هذه الدول بالحديد والنار حيث لا يستطيع صوت من هذه الأصوات أن ينطق حرفا واحدا عن سجون بلده.. أن ما يحدث في مصر الآن يكتب تاريخا جديدا لهذه الأمة وعلي العقلاء فيها أن يستوعبوا الدرس ويدركوا الحقيقة لأنها للأسف الشديد أكبر من قدرة الكثيرين منهم علي استيعابها..
< تساؤلات كثيرة تدور الآن في حضرة العدالة والعالم يراقب ما يجري في مصر في لحظة تاريخية غير مسبوقة وقد تكون الأولي والأخيرة.. تساؤلات حول أحراز القضية وشواهدها خاصة أن الشرطة كانت غائبة تماما عن الشارع المصري حيث دارت أحداث الجريمة وقتل الشهداء.. تساؤلات أخري حول كتيبة الدفاع عن الشهداء الذين لم يستطيعوا الحصول علي تصاريح حضور جلسات المحاكمة حتي الآن.. والأخطر من ذلك كله غياب احراز القضية خاصة تسجيلات جهاز الأمن القومي لما جري في ميدان التحرير وكوبري قصر النيل وموقعة الجمل ومن بين هذه التسجيلات ما رصدته كاميرات المتحف المصري ولاشك أن القضية تخسر الكثير إذا غابت كل هذه الأدلة عن هيئة المحكمة..
< بقيت عندي نقطة أخيرة نحن الآن أمام ثلاثية العدل والتاريخ والمستقبل.. أما العدالة فهي أمام قاض يمثل قضاء مصر العريق وحين يقول كلمته علينا أن نحترم أحكام القضاء في كل درجاته.. أما التاريخ فهو الآن يسطر ما يري من الأحداث وسوف ينصف من يستحق الإنصاف ويدين ما يري من الخطايا والأخطاء وهنا علينا أن نترك للعدل أن يحكم وللتاريخ أن يدين أو ينصف وأن نتجه بقلوبنا وعقولنا نحو المستقبل.. هناك معجزات إلهية ولا أقول إنجازات بشرية شهدتها مصر في الشهور الستة الماضية ولو أن أحدا صور بخياله ما نراه الآن من حقائق ما صدقه أحد ولهذا فإن ما نراه اليوم علي شاشات التلفزيون في شهر رمضان من الحقائق قد تجاوز خيال كل كتاب الدراما والمبدعين الجادين منهم والهزليين.. وعلينا أن ننظر أمامنا فنحن علي أبواب وطن جديد وانتخابات جديدة ومجتمع ينبغي أن تدور فيه عجلة الإنتاج لتعود السياحة وتفتح المصانع أبوابها ويعود الشباب إلي أعمالهم ويكون الحوار وسيلتنا في كل معارك الرأي فلن نبني مصر بالمظاهرات والاعتصامات والمعارك الوهمية نحن أمام مرحلة تحتاج منا إلي وعي أكثر بقضايانا وإيمان أعمق بوطننا وحرص أكبر علي مستقبلنا ومن أنجز معجزة ثورة25 يناير هو وحده سبحانه وتعالي القادر علي أن يحميها..
لنترك للتاريخ كلمته.. وللقضاء أحكامه.. أما المستقبل فهو لنا ويجب أن نحرص عليه..