Loading

السبت، 10 مارس، 2012

هوامش حرة : نحن وأمريكا‏..‏ عملاء أم أصدقاء

هوامش حرة
نحن وأمريكا‏..‏ عملاء أم أصدقاء
بقلم: فاروق جويدة
02/09/2011


كلما ثارت أزمة بين مصر وأمريكا خرج المسئولون في الكونجرس والبيت الأبيض يتحدثون عن قطع المعونات الاقتصادية عن مصر وكانت الديبلوماسية في البلدين تتجاوز هذه التصريحات وردود الأفعال الغاضبة ولكن الجديد أن الإدارة الأمريكية.
أطلقت هذا التهديد بسبب الأزمة التي لحقت بالعلاقات بين مصر وإسرائيل وتحدث البعض عن اتفاقية كامب ديفيد وهنا عاد الحديث مرة أخري عن قطع هذه المعونات..
ولاشك أن هذه المعونات أصبحت تمثل نقطة ضعف شديدة في العلاقات بين مصر وأمريكا فهي شئنا أم أبينا تسيء لمشاعر المصريين بصورة أو أخري رغم أنها بالأرقام لا تتجاوز كثيرا ثمن مجموعة من الفيلات التي حصل عليها رموز النظام السابق وهي نصف ثروات اثنين أو ثلاثة من المسئولين القابعين الآن في مزرعة طرة وربما لا تصل إلي ممتلكات واحد فقط من رجال الأعمال أصحاب الحظوة لدي النظام السابق في شرم الشيخ..
أن الشيء الغريب أن الإدارة الأمريكية تتصور أن ما تقدمه من معونات لمصر يعتبر عملا كبيرا رغم أن مصر قدمت خدمات ومصالح للإدارة الأمريكية في المنطقة لا يمكن أن تقدر بثمن لأن مكاسب إسرائيل من اتفاقية السلام مع مصر كانت أكبر بكثير من كل ما حصلت عليه مصر من الغرب في اكثر من ثلاثين عاما..
ليس من المنطقي أو المقبول أن تهدد أمريكا بوقف المعونات كلما ظهرت أزمة بين البلدين وما أكثر الأزمات التي حدثت في مسيرة العلاقات المصرية الأمريكية ابتداء بطائرة البطوطي وانتهاء بالمنح التي تقدمها أمريكا للمجتمع المدني في مصر من وراء الحكومة وتعتبر ذلك حقا من حقوقها في مخالفة صريحة لكل الأعراف الدولية..
هناك تضحيات كثيرة تحملتها مصر في عهد النظام السابق من أجل عيون العم سام..
لقد فرطت مصر في دورها العربي وانسحبت من مناطق كثيرة لكي تترك الساحة كاملة للنفوذ الامريكي.. انسحبت مصر من العراق وسكتت علي احتلاله رغم أن العلاقات بين مصر والعراق كانت أساسية وضرورية في كل العصور حتي في عهد صدام حسين ويكفي أن أربعة ملايين مصري كانوا يعملون في العراق وحاربوا علي أرضه واستشهدوا علي ترابه.. وانسحبت مصر من كل المشروعات الكبري في بناء دول الخليج وتركت الساحة للشركات الأمريكية التي اكتسحت كل موارد هذه الدول.. وانسحبت مصر من السودان لتترك للإدارة الأمريكية تقسيم السودان وإقامة دولة الجنوب.. وانسحبت مصر من دورها العربي في لبنان حين تركت إسرائيل تحتل أراضيه في الثمانينيات من القرن الماضي ورضيت مصر أن تكون من الاتباع في حرب الخليج وتحرير الكويت.. علي جانب آخر رضيت مصر أن تفسد علاقتها مع حماس في قطاع غزة وحزب الله في جنوب لبنان أرضاء للموقف الامريكي بل إن مصر فرطت في علاقات تاريخية مع إيران من أجل عيون أمريكا.. هذه كلها خسائر تحملتها مصر منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل وتركت للإدارة الأمريكية تفعل ما تشاء في العالم العربي ولاشك أن الإدارة الأمريكية ما كانت تستطيع الحصول علي كل هذه المكاسب إلا من خلال دعم النظام السابق للوجود الأمريكي في المنطقة وهو بالتأكيد كان علي حساب دور مصر ومسئولياتها التاريخية..
أن أخطر ما يحدث الآن في مسيرة العلاقات المصرية الأمريكية هو الصراع حول الدور المصري بعد ثورة يناير ورحيل الرئيس السابق والذي قدم لأمريكا كل ما أرادت من التنازلات التي أهدرت دور مصر واستباحت وجودها..
لقد وقفت الإدارة الأمريكية أمام ثورة يناير موقفا غريبا فقد كانت حريصة كل الحرص علي بقاء النظام السابق رغم أنها كانت تعلم أنه نظام فاسد ومستبد.. وكانت تعلم قصة توريث الحكم ولم ترفض الفكرة في حينها.. وكانت تمثل حماية لطبقة جديدة من رجال الأعمال الذين نهبوا ثروة الشعب المصري واستباحوا موارده.. كانت أمريكا حريصة علي بقاء النظام السابق ولهذا لم تؤيد الثورة في مراحلها الأولي بل إنها تركت النظام السابق يتعامل بوحشية مع شباب الثورة دون أن تبدي اعتراضا.. إن هذا يعني أن أمريكا لم تكن تريد الثورة في مصر ولهذا كان الدعم الأمريكي لمصر بعد الثورة شيئا ضئيلا وتافها.. ولهذا كان من الطبيعي أن تدخل العلاقات المصرية الأمريكية منطقة جديدة لن تقبل فيها مصر الثورة أن تقوم بأدوار النظام السابق وهذه هي الأزمة الحقيقية مع أمريكا الآن.. أن مصر الثورة تريد علاقة الأصدقاء والإدارة الأمريكية لا ترضي إلا بالعملاء وربما كان هذا هو السبب في اختبارات القوي بين القاهرة وواشنطن في الفترة الأخيرة ومنها جاء التهديد السخيف بوقف المعونات..
هناك مشاعر سيئة في الشارع المصري ضد سياسة أمريكا وعلاقتها مع مصر في سنوات حكم النظام السابق.. إن السبب في هذه المشاعر السلبية أن الإدارة الأمريكية كانت تتحدث كثيرا عن الحريات وحقوق الإنسان والشعوب المغلوبة علي أمرها ومن بينها الشعب المصري الذي حكمه النظام السابق ثلاثين عاما بالنار والحديد.. وهذا التناقض في موقف أمريكا وحديثها الكاذب عن الحريات ودعمها لنظم قمعية مستبدة جائرة ترك أثارا عميقة في مدي مصداقية الخطاب الأمريكي وكان المصريون ينتظرون بعد نجاح ثورتهم موقفا أمريكيا يتناسب مع ما كانت تطرحه من أفكار ومواقف حول الحريات..
أن الشيء الوحيد الذي سعت إليه أمريكا هو محاولة اختراق المجتمع المصري من خلال أشخاص تقدم لهم الدعم المادي لكي يقوموا بأدوار معينه.. وهذا يؤكد أن أمريكا لم تتغير بعد ثورة يناير ويبدو أنها لن تتغير فما زالت تبحث عن العملاء وترفض منطق الأصدقاء..
هناك دائرة أخري في العلاقات المصرية الأمريكية وهي أن إسرائيل تقف دائما في مسيرة هذه العلاقات.. لا تستطيع الإدارة الأمريكية أن تفعل شيئا مع مصر الا بموافقة من تل أبيب ابتداء بصفقات السلاح في المعونات وانتهاء بالعلاقات السياسية بين البلدين..
وقد تطور هذا الشكل من العلاقات التي تبدو ثنائية وهي في الحقيقة ثلاثية بين مصر وأمريكا بحيث أيقن النظام السابق أن كل شيء يريده من أمريكا لابد وأن يعبر من إسرائيل وهنا يمكن أن يقال أن العلاقات المصرية الأمريكية أصبحت الآن جزءا من العلاقات المصرية الإسرائيلية.. أن إسرائيل تتحكم الآن في كل ما يخص مصر في واشنطن ابتداء بالمعونات الاقتصادية وانتهاء بالموقف الأمريكي من قضايا المنطقة.. لقد كانت إسرائيل وراء موقف النظام السابق من حماس في قطاع غزة.. وكانت سببا في تشوية العلاقة بين مصر وحزب الله.. وهي تتحمل تراجع مستوي العلاقات بين مصر وإيران.. من هنا تأتي خطورة المرحلة القادمة في ظل العلاقات بين مصر وإسرائيل ما بعد ثورة يناير.. هناك أشياء كثيرة فرضها النظام السابق علي الشعب المصري من اجل مصالح إسرائيل.. وهناك تنازلات كثيرة قدمتها مصر طوال ثلاثين عاما وأصبحت الآن غير مقبولة علي الإطلاق ومنها الوجود العسكري المصري في سيناء ومطامع إسرائيل فيها.. وهناك أيضا موقف صعب تمر به مصر الآن في ظل مخاطر كثيرة تهدد الأمن القومي المصري.. أن مصر تواجه أزمات كثيرة منها علي سبيل المثال ما يحدث في دول حوض النيل وإسرائيل تلعب كثيرا في هذه المنطقة وهناك جنوب السودان وما حدث بعد التقسيم وهناك واقع سياسي وجغرافي جديد في ليبيا بعد وصول قوات الناتو وهل ترحل أم تبقي ومعها بالطبع القوات الأمريكية.. وهناك مستقبل غامض يحيط بسوريا والأخطر من ذلك ما يحدث في اليمن والبحر الأحمر ومجاعات الصومال.. ولنا أن نتصور مصر وأمنها القومي وهذا الحصار جنوبا حول مياه النيل وشرقا حيث إسرائيل وغزة وسوريا ولبنان وكلها مناطق مشتعلة وفي الغرب ننتظر ما تأتي به الثورات في ليبيا وتونس.. وسط هذا كله يصبح الدور المصري ضروريا ولكن هل تسمح الحسابات الدولية بعودة هذا الدور أو أن حصاره أصبح مطلبا ضروريا..
لقد ترك النظام السابق للمصريين مساحات كبيرة جدا من الفساد في كل شيء ولكن الخطر الاكبر أنه ترك عبئا كبيرا علي المصريين الشعب والحكومة في علاقات دولية غير متوازنة ومشبوهة ورضي أن يلعب أدوارا سياسية تتعارض تماما مع مصالح مصر وأمنها القومي..
سوف تسعي مصر الثورة إلي استعادة دورها العربي.. وسوف يصر المصريون علي سياسات ومواقف تقدر دورهم ومسئولياتهم.. وسوف ترفض مصر الثورة أي قيود تحد حركتها وقدرتها علي تأمين أراضيها ومستقبلها وأمنها القومي.. إذا كان النظام السابق قد فرط في أشياء كثيرة من حقوق هذا الشعب فإن مصر الثورة لن تفرط بعد ذلك.. وعلينا أن نرسم صورة لعلاقات متوازنة تقوم علي الاحترام المتبادل والمصداقية والعدالة واحترام حقوق البشر..
أن العلاقات المصرية الأمريكية تواجه الآن تحديات كثيرة لقد قامت هذه العلاقات علي أساس وجود بعض الأشخاص في السلطة من أصحاب القرار وأصحاب المصالح ولم تعتمد علي حوار خلاق وعلاقات متوازنة مع الشعب المصري.. وبجانب هذا فإن هذه العلاقات ترتبط بشده ليس بمصالح أمريكا فقط ولكن بمصالح إسرائيل المشبوهة وهنا لابد أن تتمسك ثورة يناير بثوابت جديدة تحفظ للمصريين كرامتهم وتحفظ لمصر دورها ومصالحها وعلي أمريكا أن تنسي الآن أن تجد بديلا للنظام السابق لأن الزمن لا يرجع للوراء.. علي الإدارة الأمريكية أن تؤكد معني الصداقة بين الشعوب وأن تتجاوز مرحلة البحث عن عملاء.. لقد انتهي زمن العمالة وعلينا أن نفتح صفحات جديدة لعلاقات من الصداقة تحترم إرادة الشعوب وتحرص علي أمنها ودورها ومصالحها..