Loading

الأحد، 11 مارس، 2012

هوامش حره : عدالة الوطن وحرية الإنسان

هوامش حره
عدالة الوطن وحرية الإنسان
بقلم: فاروق جويدة
16/12/2011


هناك فارق كبير بين أن تملك فكرا أو أن تملك قرارا‏..‏ هناك مساحات واسعة للأفكار‏,يسبح فيها البشر تبدأ بآخر نقطة في سماء الخيال وتنتهي بأول نقطة في أرض الحقيقة..
ولا جناح عليك في أن تفكر وتتصور,وقد تبني قصورا من الأحلام.. والفكر لا يعرف الوصاية ولا يعترف بلغة الحساب وليس له بطاقة شخصية أو رقم قومي, إنه منحة الخالق لنا حين نشعر أننا بالفعل أحرارا ولذلك يموت الفكر إذا انقطع ذلك الحبل السري الذي يربطه بالحرية.. يصبح كائنا غريبا لا نبض فيه ولا حياة.. وبقدر بأننا ما نكون أحرارا ونحن نفكر بقدر ما تحدد الحقيقة لنا تلك المساحة التي نضعها لأنفسنا.. وهنا يصبح القرار مسئولية نحاسب عليها.. ويصبح الفعل قياسا للنجاح أو الفشل.. ويتجاوز رد الفعل تجاه ما نفعل فلا يعترف بقدسية شيء إلا الإنجاز..
هذه مقدمه طالت ولكنها تنطبق تماما علي أحوال التيار الإسلامي الذي سيجد نفسه فجأة مطالبا بأن ينتقل من دائرة الفكر والأحلام والتنظير إلي منطقة القرار حيث يصبح حقا مستباحا للنقد والتقييم والمساءلة.. ومهما تكن الأفكار, عظيمة الا أن قيمتها الحقيقية فيما تحققه من أهداف علي أرض الواقع.. وهنا يجب أن نضع أيدينا علي عدد من النقاط.. أن التيار الإسلامي وهو يقترب من سلطة القرار لن يجد ستارا دينيا يحميه.. بمعني أنه تحدث عن قيمة العدل كثيرا وحين يصل إلي السلطة فلا مكان للحديث ولكن عليه أن يبدأ في تحقيق ما عاش عليه وروج له من القيم الفكرية, وهنا لن يستطيع أن يسكت الناس أو يمتص غضبهم ببعض الحكم والأقاويل..
لقد عاش الأخوان المسلمون في مصر ثمانين عاما في دائرة الكلام والنقد والإدانة للآخرين وحين ينتقلون إلي السلطة فلن يسمعهم أحد ولكن الجميع سوف يحاسبهم علي ما فعلوا وليس ما قالوا.. في مواقع النقد يبدو الكلام جميلا ومقنعا ولكن في دائرة القرار ندخل إلي منطقة المطالب والمسئوليات التي تنتهي عادة في كشف حساب..
وهنا يجب أن يعرض حزب العدالة والحرية برامجه لمواجهة الواقع المصري الذي يفرض الآن نفسه علي كل من يسعي إلي الإصلاح..
هناك سلسلة من الأزمات التي تحتاج إلي حلول سريعة..
< هناك قضية الفقر وكل المؤسسات الدولية تتحدث عن النسبة المخيفة التي وصلت إليها مصر في معدلات الفقر التي تؤكد أن أكثر من40% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر.. وفي تقرير للجهاز المركزي للإحصاء أن44% من فقراء مصر يسكنون الصعيد وأن نسبة الأمية41% وأن36% من شباب الصعيد غير متزوجين بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.. هنا أيضا يمكن الحديث عن12 مليون مصري يعيشون في العشوائيات والمقابر والشوارع وغرف الصفيح.. وهناك أيضا ثلاثة ملايين طفل هم أطفال الشوارع حيث لا سكن ولا تعليم ولا رعاية.. إن مشكلة الفقر هي الكارثة الأولي بالاهتمام لأنها براكين وألغام تحيط بالمجتمع من كل جانب ويمكن أن تنفجر في أي وقت في وجوهنا جميعا..
< تحت ستائر الفقر تختفي أزمات أخري كثيرة في مقدمتها أزمة البطالة.. ومنذ سحبت الدولة يدها من تشغيل الخريجين تكدست عشرات الأجيال من شباب مصر بلا عمل ويقال إن عدد العاطلين سبعة ملايين شاب وهناك تقديرات تقول إنهم تجاوزوا الملايين العشرة وهؤلاء يحملون معهم أزمات كثيرة.. إنهم بلا زواج حيث تنتشر الجرائم الأخلاقية.. وهم بلا عمل حيث تنتشر أعمال البلطجة.. وهم يعانون فراغا قاتلا حيث تنتشر المخدرات.. وهم يعانون الجهل حيث التطرف والتعصب والخرافة.. وهم يسكنون الشوارع حيث تنتشر الفوضي وقبل هذا كله فإن نصفهم أو أكثر يعانون الأمية في وقت احتفلت فيه معظم شعوب العالم بوفاة آخر أمي فيها..
كل التقديرات تقول إن في مصر أكثر من20 مليون مواطن لا يقرأون ولا يكتبون والغريب أن مصر- كنانة الله في أرضه- هي أعلي نسبة من الأمية في العالم العربي.. إن هذه القدرات البشرية التي لا تقرأ ولا تكتب تعني أنها قدرات معطلة لا يمكن الاستفادة منها ولنا أن نتصور المخاطر في ثلاثية الجهل والفقر والبطالة حين تجتمع في شخص أو مجتمع واحد..
هنا يمكن أن نسأل الإسلاميين الصاعدين إلي دائرة القرار ماذا أنتم فاعلون أمام هذه السلسلة من الأزمات.. الفقر.. والبطالة والأمية ومعهم بالضرورة الفوضي.. والجريمة.. ولنا أن نتصور الواقع الخطير الذي يجمع كل هذه الأزمات..
< لا يمكن الحديث عن هذه الألغام بعيدا عن أزمة التعليم ليس فقط لأنها من أكثر مخاطر الحاضر ولكن لأنها الطريق الوحيد المأمون لبناء المستقبل..
في ظل هذا الواقع المرير من مظاهر الفقر يطل التعليم كأفضل وسيلة لتجاوز كل سلبيات وأزمات المجتمع المصري.. والسؤال هنا هل نبدأ من منطقة الصفر,في تقديري أننا ينبغي أن نبدأ من حيث انتهي الآخرون.. وهناك من يري أن نبدأ من الكتاتيب وهناك أيضا من يري أن نبدأ من الكمبيوتر والنت والمحمول والأشعة المقطعية والليزر والطاقة الشمسية والفيس بوك.. لقد تحملت الكتاتيب طغيان السلطة ثمانين عاما هي عمر الأخوان المسلمين ولم تحقق شيئا في مقاومة الاستبداد بكل صورة ولم يحتمل شباب التكنولوجيا والفيس بوك والتويتر مؤامرة التوريث خمسة أعوام وقاموا واسقطوا منظومة البطش ولحقت بهم كل طوائف المجتمع ابتداء بدعاة الكتاتيب وانتهاء بأصحاب النظريات الكبري من العلمانيين والليبراليين وزعماء الأحزاب.. إن هذا يعني أننا نريد تعليما عصريا يحمل أجيالنا القادمة إلي المستقبل.. أما قراءة البخت والتعاويذ وحملة المباخر والعفاريت فهذا زمان مضي وينبغي ألا يعود..
من هنا ومن مواكب التعليم الحديث سوف نحصل علي أحدث تقنيات العصر في الزراعة حيث نحمي ما بقي لنا من مياه النيل فتنشأ الزراعة الحديثة.. وهنا أيضا نوفر ما نحتاج من الطعام ومازلنا نذكر صادرات إسرائيل الزراعية من أرض سيناء حينما كانت تحتلها وهي الآن أمامنا خاوية علي عروشها حتي بعد أن وصلت إليها مياه النيل ومع الزراعة الحديثة ومن خلال التعليم يمكن أن نختار الصناعات المناسبة حسب ما يتوافر لدينا من موارد وإمكانيات.. وفي ظل زراعة متقدمة.. وصناعة تتناسب مع مواردنا سوف نواجه مشكلات الفقر والبطالة.. نحن أمام سلسلة من الأخطاء وسلسلة من الأزمات وفي آخرها سلسلة من الحلول التي يمكن أن نواجه بها حقيقة أنفسنا..
< في ظل منظومة تعليمية عصرية.. سوف نصل إلي منظومة بشرية تملك القدرات لصياغة مجتمع معاصر يصل بنا إلي منظومة إنتاجية تعتمد علي الإنتاج وليس فقط بيع أصول الدولة وتوزيع أراضيها وإهدار ثرواتها.. في ظل مجتمع معاصر في فكره وتعليمه وثقافته وإنتاجه لن نتحدث عن حقوق المرأة ولن نقول تعمل أو لا تعمل ولن يطالبها أحد بالجلوس في البيت لأن الوطن يحتاجها في الإنتاج والتعليم والإدارة وحماية الأسرة فليس من العدل أن نحرم المجتمع من نصف سكانه.. وفي ظل هذه المنظومة العصرية لن يكون هناك مجال للوساطة أو القفز علي رقاب الناس أو إهدار الكفاءة واختلال منظومة تكافؤ الفرص,سيكون مقياس النجاح هو العلم والتميز والقدرات وهذه أولي خطوات تحقيق العدالة الاجتماعية حيث يحصل كل مواطن علي حقه من المجتمع حسب قدراته وليس حسب أصله ونسبه أو الطبقة الاجتماعية التي ينتسب إليها..
في ظل هذا المناخ أيضا سوف يظهر وجه مصر الثقافي الحقيقي حين تتوازن العلاقات الاجتماعية ويبدو الشارع المصري أكثر رقيا وترفعا هنا سوف يفرز هذا المجتمع الثقافة الجادة التي تتناسب مع تراكمه الحضاري والفكري والإنساني وسوف نسمح لكل الأفكار أن تتصارع وتختلف من خلال لغة راقية للحوار.. ويومها لن يقول أحد أن الفن حرام أو أن الثقافة ضلال أو أن كتابات نجيب محفوظ تشجع الرذيلة والدعارة..
< لا أطالب جماعة الأخوان المسلمين أو التيارات الإسلامية أن تفعل ما فعله أردوغان وحزب العدالة في تركيا أو ما فعله مهاتير محمد في ماليزيا لأن التيارات الإسلامية في مصر لا تملك رصيدا تاريخيا في إدارة شئون دولة ولا أعتقد أن لديها الخبرات الكافية لذلك ولا أتصور أنها تملك من الأفكار ما يؤهلها للقيام بهذه المسئولية مرة واحدة ومن هنا تأتي ضرورة الاستعانة بصديق ولن يعيب هذه التيارات أبدا أن تلجأ إلي أفكار الآخرين وتغير فيها حسب ما يتناسب مع ظروفنا,خاصة إذا كنا أمام نماذج ناجحة حققت إنجازات مذهلة علي مستوي العالم,كما حدث في ماليزيا وتركيا.. وبجانب هذا فإن علي هذه التيارات الإسلامية أن تستعين بكل خبرات المصريين في جميع مجالات المعرفة خاصة أبناءنا النابغين في الخارج وهنا ينبغي الا نفرق بين إسلامي وعلماني وليبرالي ومسيحي ومسلم ومن لا دين له.. نحن أمام إعادة بناء مجتمع جديد يقوم علي العدالة والحرية والحوار والعلم والإنتاج.. أن الحوار ينبغي أن يتوقف علي منظومة الخلاف في الرأي والرؤي.. والعلم لم يفرق أبدا بين أحمد زويل المسلم ومجدي يعقوب المسيحي والإنتاج لن يفرق أبدا بين عامل يصلي في الكنيسة أو عامل يصلي في مسجد.. وحين نهبط من الطائرة إلي أرض مطار القاهرة بعد رحلة غياب فإن هذه الأرض الطيبة لن تفرق وهي تحضن أجسادنا بين من يحمل الصليب أو من يحمل الهلال وإذا كان حزب الأخوان المسلمين اسمه العدالة والحرية.. فإن أول شروط هذه العدالة أن يشعر كل مواطن مصري بأنه صاحب حق في هذا الوطن وأول شروط الحرية أن يختار دينه وعقيدته بعيدا عن أسمه وأصله وفكره وعنوانه..