Loading

الأحد، 11 مارس، 2012

هـوامــش حـرة : محنة السنوات العجاف

هـوامــش حـرة
محنة السنوات العجاف
بقلم: فاروق جويدة
07/12/2011


كانت ثورة يناير من أعظم اللحظات في تاريخ مصر الحديث في جلالها وترفعها‏..‏ وبعد أسابيع قليلة طفحت علي السطح أسوأ مظاهر الانقسام والفوضي والتخلف التي أصابت العقل المصري في السنوات العجاف‏,
لا أتصور أن هذه الأرض هي نفسها التي أنجبت أعظم نخبة أضاءت العقل العربي وحررت إرادته ودخلت به إلي زمان جديد بكل ما حملت من روافد الفكر الراقي والإبداع الجميل.. هذه الأرض التي تصارعت فيها كل الأفكار واختلفت فيها كل الرؤي وبقيت علي شموخها.. أن الكارثة الحقيقة التي أصابتنا ليست نهب أموالنا وسرقة مواردنا وضياع أعمارنا واختلال منظومة القيم في شوارعنا, أن الأزمة الحقيقية هي هذه الحالة من التردي التي وصل إليها العقل المصري.. أنظر إلي شاشات التلفزيون وأسمع الأحاديث والحكم والمأثورات والأشباح السوداء تطل علينا وخلفها تلال من التخلف والضياع.. من أين جاءت كل هذه الأشباح لتخرج علينا الآن وترجع بنا إلي زمن الشوارع والعقول والبيوت المظلمة أنظر إلي أحوال النخبة وما أصابها من أمراض الانقسامات والضحالة..
كنا نختلف كثيرا ولكن الترفع كان رسولا بيننا والقيمة رصيدنا الدائم, والفكر الحقيقي والحوار الجاد وسيلتنا للعلم والمعرفة.. اختلف العقاد مع طه حسين واختلف مندور مع رشاد رشدي واختلف المازني والعقاد مع أحمد شوقي وكان السنباطي شيئا مختلفا عن عبد الوهاب وكانت أم كلثوم ملكة الجميع.. وكانت لدينا سماحة خالد محمد خالد ويقين الشيخ شلتوت وزهد عبد الحليم محمود.. وكان لدينا صفاء الشيخ رفعت وجلال مصطفي إسماعيل وعبد الباسط وكانت لدينا ليلي مراد وفاتن حمامة ويوسف وهبي ورشدي أباظة.. وكان لدينا الأزهر وجامعة القاهرة ودار الكتب والأوبرا وأكبر متاحف التاريخ.. وكانت لدينا مدارس صحفية عريقة شيدها هيكل والتابعي ومصطفي وعلي أمين وأنيس منصور وأحمد بهاء الدين وكامل زهيري..
كان لدينا عقل مستنير جدا.. رفيع جدا, مؤمن جدا.. لا أدري أين ضاع.. إنها محنة العقل المصري.. أسوأ ما تركت لنا السنوات العجاف..