Loading

الاثنين، 18 أبريل، 2011

هوامش حره : ضــــحايا ماسبيــــــرو

فاروق جويدةهوامش حره
ضــــحايا ماسبيــــــرو
بقلم: فاروق جويدة
24/12/2010
 

أزعجني كثيرا ما حدث لأهالي ماسبيرو في الأسبوع الماضي حيث تقدمت الجرافات وقامت بهدم‏38‏ بيتا في ليلة واحدة بينما تشرد الأطفال والأمهات وكبار السن علي الأرصفة خلف مبني التليفزيون العريق
 وعلي مشهد من مبني وزارة الخارجية المصرية المطل علي نيل الزمالك..
فاجأت قوات الهدد الأطفال بينما كان الآباء في أعمالهم واجتاحت الجرافات المباني وعاد الآباء في المساء ليجدوا البيوت انقاضا والصغار ينتشرون بين الغبار والأطلال والذكريات..
مشهد غريب في أهدافه وتفاصيله وأسبابه وقرارات منفذيه والمسئولين عنه..
أصحاب القرار يقولون أن هناك قرارات إزالة لهذه البيوت لأنها تهدد حياة السكان وأن المواطنين رفضوا إخلاء هذه المساكن وكان من الضروري هدم هذه البيوت حرصا علي حياة المواطنين حيث إنها آيلة للسقوط في أي لحظة..علي جانب آخر يؤكد أصحاب القرار ان هناك مساكن بديلة جاهزة تم تخصيصها لهؤلاء المواطنين في مدينة النهضة مقر ضحايا الدويقة خارج القاهرة وأنهم يرفضون استلامها والانتقال إليها.. ومن هنا كان القرار باقتحام هذه البيوت وهدمها في غيبة من أصحابها حتي لا تواجه فرق الهدم بمقاومة من أصحاب هذه العقارات..
الأزمة مازالت قائمة خاصة أن هناك عشرات بل مئات البيوت التي تنتظر دورها في الهدم أمام مشروع كبير تتبناه الحكومة لإنشاء مدينة جديدة في هذا المكان تكون امتدادا لحي الزمالك العريق وبحيث تتناسب مع مبني وزارة الخارجية ومبني التلفزيون والمنشآت الجديدة التي شهدها كورنيش النيل.. وهناك شركات أجنبية وعربية سعودية وكويتية وضعت تصورا متكاملا لمشروع عقاري ضخم يقام علي مثلث ماسبيرو..
وراء هذه الحملة قرارات بنزع الملكية أصدرها د.أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء لحساب شركة تسمي شركة ماسبيرو للتنمية العمرانية.. وهناك أيضا مساحات أخري ضخمة تنتظر قرارات نزع الملكية..
من حيث المبدأ أريد أن أؤكد علي جانبين..
الأول: لا يوجد أحد يعارض مشروعات التطوير والاستثمار وإعادة استخدام أصول الدولة المصرية وهناك مناطق كثيرة ينبغي إعادة النظر فيها بل إن هناك أحياء كاملة تحتاج إلي إعادة بناء..
ثانيا: إذا كانت الدولة تسعي لإعادة استثمار هذه المناطق فينبغي أن تحرص علي حقوق مواطنيها بأن تقدم لهم التعويضات المناسبة سواء في سعر الاراضي التي استولت عليها أو في اختيار مناطق بديلة لإسكان المواطنين وأن يكون خروج المواطنين من هذه المناطق خروجا آمنا.. دون استخدام القوة والهدم العشوائي أمام أطفال صغار..
أعود إلي القضية من جذورها.. أنني أعرف هذه القصة من مسئول كبير في الحكومة منذ سنوات مضت وكانت مجرد فكرة أن يتم إخلاء منطقة ماسبيرو من السكان وهدمها بالكامل وإعادة إنشائها في إطار مشروع استثماري ضخم يضم سلسة جديدة من المباني والمنشآت والمولات والمشروعات التجارية بحيث يتم التخطيط علي أسس حديثة في المساحات والمباني والطرق والشوارع وأن يشمل هذا المشروع جميع المناطق الخلفية في ماسبيرو وبولاق من شارع الجلاء وميدان عبد المنعم رياض وحتي المناطق الممتدة من مسجد أبو العلا بموازاة كورنيش النيل إلي بداية الساحل خلف مبني البنك الأهلي علي شاطيء النيل.. هذه المساحة الضخمة يمكن أن تكون مشروعا ضخما يحقق عوائد كثيرة للدولة ولكن تبقي هنا بعض التساؤلات:
< ماذا عن توفير مساكن لمئات الالاف الذين يسكنون هذه المنطقة بما فيها من مواطنين ومنشآت تجارية وورش وخدمات ومخازن ومدارس ومستشفيات وهل تتخلص الدولة من كل هذه المرافق أم أن عمليات الهدم سوف تكون قاصرة علي البيوت والعقارات.. في هذه المنطقة أيضا عدد كبير من المساجد التاريخية والكنائس والأماكن الأثرية التي تنتشر بين البيوت وفي الشوارع والأزقة الصغيرة فهل تقتحم الجرافات هذه الأماكن أيضا..
< ماذا عن تعويضات المواطنين أصحاب هذه العقارات وهل تقدم لهم الحكومة التعويضات المناسبة وعلي أي أساس سيتم تحديد سعر الأرض في هذه المنطقة.. منذ عامين تلقيت مجموعة من الرسائل من عدد من سكان ماسبيرو من أصحاب هذه البيوت حيث قدرت الحكومة سعر المتر في بيوت تقع خلف مبني التليفزيون مباشرة بسعر150 جنيها للمتر وهي بيوت صغيرة لا تزيد مساحتها عن150 أو200 متر.. والغريب أن البيوت أزيلت ولم يحصل أصحابها علي مليم واحد أكثر من هذه التقديرات الجزافية الظالمة..
هنا لا يعقل أن تبيع الحكومة الأراضي بملايين الدولارات لرجال الأعمال والمستثمرين وتكتفي بتقديم هذا السعر البخس للمواطنين أصحاب هذه البيوت..
لقد عرضت الحكومة علي مؤسسة دار المعارف مبالغ طائلة لإخلاء مبانيها وهدمها علي كورنيش النيل في حين أنها تتحايل علي أصحاب البيوت والعقارات وتقدم لهم أسعارا هزيلة وهي تحتمي بقرارات المنفعة العامة..
إذا كانت الحكومة جادة بالفعل في إنشاء مشروع استثماري ضخم كما تقول في منطقة ماسبيرو فإن عليها أن تشكل لجانا محايدة لتحديد سعر مناسب لهذه الأراضي التي تنتزعها من الناس ولا تتركهم لشركات العقارات وسماسرة الأراضي.. إن اسهل شيء لدي حكومتنا الذكية هو مصادرة الاراضي تحت شعار ساذج وغريب يسمي المنفعة العامة ومثل هذا القرار لا يصلح في هذه الحالة لأن المنفعة العامة هي إنشاء مشروع خدمات أو طريق أو منشآت اجتماعية أما الاستيلاء علي أراضي المواطنين وممتلكاتهم الخاصة طبقا لهذا القانون وبيعها للمستثمرين الأجانب لإقامة مشروعات عقارية فلا يصلح فيه استخدام هذا الحق من جانب الحكومة..
إذا كانت الحكومة تري أن سعر متر الأرض في ماسبيرو هو مائة وخمسون جنيها كما قدرت فإن الأفضل للمواطنين أن يموتوا تحت أنقاض بيوتهم أما إذا كانت جادة في مشروعاتها فعليها أن تقدم التعويضات المناسبة طبقا لأسعار السوق خاصة أن حكومتنا الرشيدة التي ابتدعت لنا هذه المصطلحات حول تحرير أسعار السوق والحرية الاقتصادية عليها أن تطبق أفكارها مع حقوق المواطنين.. فإذا كانت تبيع متر الأرض في مزاداتها بسعر4000 جنيه في صحاري التجمع الخامس و6 أكتوبر فعليها أن تقدر أسعار أراضي ماسبيرو بالسعر المناسب..
علي جانب آخر فلا أحد يعلم هوية الشركة التي تحمل أسم ماسبيرو للتنمية العمرانية وهل هي شركة خاصة أم عامة وما هي أسباب الغموض الذي يحيط بنشاط هذه الشركة خاصة أننا لم نسمع عنها من قبل..
أن الحكومة تلجأ عادة إلي تحديد أسعار ظالمة في سعر الأراضي ثم يلجأ المواطن للقضاء ويحصل علي أحكام بالتعويضات ولا تنفذها الحكومة أي أنها تدرك من البداية أنها قادرة علي إتمام كل شيء بالقوانين المضروبة والإجراءات التعسفية وأن تتحايل في النهاية علي حقوق المواطنين..
نأتي بعد ذلك إلي قضية المساكن البديلة التي ينتقل إليها المواطنون ومهما كانت مساكن ماسبيرو قديمة ومتهالكة إلا أنها مصدر رزق هؤلاء المواطنين سواء كانت ورشهم أو أعمالهم اليدوية والخدمات التي يقدمونها في مناطق أخري قريبة أن هذه المساكن القديمة الآيلة للسقوط تتوافر فيها الخدمات من المدارس والمستشفيات والمياه والكهرباء والمجاري حتي وإن طفحت وبجانب هذا فإن انتزاع إنسان من مكانه وذكرياته وطفولته وعمره قضية يجب أن يقدرها أصحاب القرار.. وهنا لابد من توفير خدمات في مساكنهم الجديدة تعوضهم عن أماكنهم القديمة في إيجاد وسائل مواصلات مناسبة ومدارس لتعليم أبنائهم ومستوصفات ولا أقول مستشفيات تقدم الخدمات الصحية لهم أما أن تلقي بهم الحكومة في الصحاري حيث لا عمل ولا أمن ولا خدمات وبعد ذلك تقدر سعر متر الأرض بمائة وخمسين جنيها فهذا ظلم لا يرضاه أحد أن معظم عمليات التهجير التي تتم الآن إلي أماكن بعيدة لا تتوافر فيها الخدمات الأساسية ومشروع إبني بيتك أكبر دليل علي ذلك..
إن هناك اقتراحا أفضل يراه البعض أن تقدم الحكومة للمواطن أكثر من بديل بأن يحصل علي تعويض مناسب طبقا لأسعار السوق التي ابتدعتها وبعد ذلك يختار المكان الذي يعيش فيه وأن كان المتبع عادة في مثل هذه المشروعات أن يلتزم المستثمرون بتوفير مساكن بديلة للمواطنين في نفس المناطق التي أقيمت فيها المشروعات الجديدة..
بقيت بعد ذلك نقطة هامه حيث ينبغي أن تحافظ الحكومة علي الأماكن الأثرية والمساجد والكنائس والمتاحف والبيوت التاريخية..
إن الأمر يحتاج إلي قدر من التدرج والتوعية للمواطنين في التعامل مع مثل هذه المتغيرات الاجتماعية والإنسانية الحادة.. وهنا لا ينبغي أبدا اقتحام البيوت بقوات الأمن المركزي وفرق الإزالة وهدم هذه البيوت أمام أصحابها وكما قلت إن فيهم الأطفال الصغار الذين ستطاردهم هذه المشاهد الأليمة طوال حياتهم..
إننا في أحيان كثيرة نتوحد مع الأماكن التي عشنا فيها حياتنا ويصبح الخروج منها قضية مؤلمة حين ينشطر الإنسان عن زمانه ومكانه وذكريات عمره حتي ولو كان عمرا فقيرا جاحدا..
كانت صور أطفال ماسبيرو وهم يبكون علي أطلال بيوتهم المهدمة صورة قاسية ويجب أن يكون خروج الأهالي من بيوتهم خروجا آمنا بحيث لا تحاصرهم في سواد الليل أو في غياب آبائهم جحافل الهدد تحاصر البيوت وتصرخ في الميكرفونات ويهرول الأطفال في الشوارع وهم يشاهدون تلال الغبار وهي تطاردهم.. مطلوب قدر أكبر من الإنسانية في التعامل مع مثل هذه الحالات مع مواطنين يتركون خلفهم عمرا وذكريات وجيرانا وأهلا.. أم أن زماننا لم يعد يدرك قيمة هذه الأشياء.
 ..ويبقي الشعر
وقلنـا كثيرا
وكان المساء حزينـا حزينـا
وطافت علي الصمت كل الحكايا
سنون تخفـت وراء السنين
ومازال قلبي طفـلا بريئـا
يحدق فيك.. ويحبو إليك
كأنـي علي الأمس ماتت خـطايا
تغيرت الأرض في كل شيء
وما زلت أنـت
نقوشـا علي العمر
وشما علي القلـب
ضوءا علي العين
ما زلت أنت بكارة عمري.. شـذا من صبايا
رأينـا الليالي علـي راحتينـا
رمادا من الشـوق طيفـا بعيدا
يثور ويهدأ.. بين الحنايا
فعطرك هذا الذي كان يأتي.. ويسرق نومي
وشعرك هذا الذي كان يهفو.. ويسفك دمي
وصوتـك هذا الذي كان يخـبو.. فأشـقي بهمي
وقلنا كثيرا..
وأحسست أن الزمان الذي ضاع منـا
تـجمع في العين حبات دمع..
وأصبح نهرا من الحزن يجري
يسد الطريق..
وأن الدموع التي في المآقي
غدت في عيونك أطياف ضوء
وصارت بقلبي.. بقايا حريق
أكاد أعانق عينيك شوقـا.. وأنت أمامي
وبيني وبينك درب طويل
وخلف المسافات.. جرح عميق
وأحسست أني لأول يوم رجعت..
أردد بعض الحروف
وعاد لساني يحبو قليلا.. وينطق شيئـا
فمنذ سنين.. نسيت الكلام
وقلنـا كثيرا..
وأحسست أنك حين ذهبت
أخذت من العمر كل البريق
فلم يبق في العمر غير الصدأ
وأن دمي تاه بين العروق..
وخاصم نـبضي..
وماذا سيفـعل نبض غريق ؟


من قصيدة ما بعد الليلة الأخيرة سنة1990

fgoweda@ahram.org.eg