Loading

الاثنين، 18 أبريل، 2011

هوامش حره : الحكومة‏..‏ وأحكام القضاء



هوامش حره

الحكومة‏..‏ وأحكام القضاء
بقلم: فاروق جويدة

29/10/2010

هناك حدود واضحة للعلاقة بين سلطات الدولة ومؤسساتها الدستورية وهذه العلاقة هي التي تضع أسس التعامل ومستوي الأداء وتحديد المسئوليات‏..


وقبل هذا كله مبدأ الحساب والعقاب والمساءلة.. إن مسئولية مجلس الشعب أن يصدر القوانين والتشريعات ويراقب عمل الحكومة.. ومسئولية الحكومة أن تكون أمينة علي مصالح هذا الشعب وأن توفر له كل مظاهر الحياة الكريمة ابتداء بحرية الرأي وانتهاء بتوفير احتياجاته الأساسية.. وبين مجلس الشعب والحكومة يأتي دور القضاء وهو حصن العدالة والحكم في كل ما يتعرض له المجتمع بمؤسساته وأفراده وما يدور فيه من منازعات وخلافات وصراعات بين كل هذه الأطراف..
ولهذا تأتي أهمية وخطورة أحكام القضاء لأنها تمثل ميزان العدالة الذي لا يستطيع مجتمع من المجتمعات أن يعيش بدونه أو بعيدا عنه.. أن القضاء يعني العدالة ولنا أن نتصور مجتمعا أختلت فيه منظومة العدل وفقد القدرة علي ان يكون حكما محايدا بين أفراده ومؤسساته..
ومن هنا كانت قدسية أحكام القضاء وهيبتها.. حين تختل منظومة العدل في مجتمع من المجتمعات فإن ذلك يعني انهيار أهم وأخطر جوانب الاستقرار فيه.. وإذا كان من الممكن أن تتحمل المجتمعات ألوانـا مختلفة من القلق وعدم الاستقرار فإن القضاء هو الركن الأساسي في منظومة الاستقرار لأنه يحدد صورة العلاقات بين الفرد والمجتمع وبين الأفراد بعضهم البعض..
ولقد كان القضاء المصري دائما من أهم وأقدر مؤسسات الدولة المصرية.. وهو بحكم التاريخ والنشأة يعتبر من أقدم المؤسسات الدستورية في المنطقة العربية تكوينـا ورسالة ودورا.. ومن حيث التأثير فإن القضاء المصري خاض معارك كثيرة من اجل تحقيق الصورة الأمثل والأكمل للعدالة.. ورغم أن مصر شهدت عمليات اختراق كثيرة لعدد من مؤسساتها الرئيسية أمام متغيرات سياسية حادة فقد بقي القضاء المصري تاجا علي رأس مصر التاريخ والدور والمسئولية..
أقول ذلك وأنا ألاحظ بعض ردود الأفعال التي لا تليق من بعض المسئولين في الحكومة تجاه أحكام القضاء.. أنا لا أتصور أن يعلق مسئول رفيع علي حكم من أحكام القضاء دون علم أو دراسة.. كما أن الأفضل أن ينتظر المسئولون حيثيات الأحكام حتي لا يتورطوا في تصريحات يبدو منها رفض أو اعتراض أو تفسير خاطيء للأحكام لقد حدث ذلك أكثر من مرة وفي أكثر من حكم..
< حدث هذا في حكم الإدارية العليا فيما يخص عقد أرض مدينتي فقد جاءت تصريحات د.أحمد نظيف رئيس الوزراء خارج السياق وحاول تفسير الحكم علي طريقته فجانبه الصواب ثم جاء المهندس أحمد المغربي وزير الإسكان ليقع في نفس المحظور.. وكان ينبغي أن يسكت الجميع حتي توضح هيئة المحكمة وجهة نظرها من خلال حيثيات الحكم وإن كنت أري أن تعقيب المسئولين علي الأحكام القضائية أمر لا مبرر له علي الإطلاق خاصة أن في القضية الكثير من تجاوزات الجهاز الإداري للدولة وهم شركاء في ذلك..
< تكرر نفس الخطأ في حكم الإدارية العليا أيضا فيما يخص الحرس الجامعي وقد سارع رئيس الحكومة للمرة الثانية وأفتي بأن الحكم يقصد الغاء تبعية الحرس الجامعي لوزارة الداخلية وهذا هو كل المطلوب لتنفيذ هذا الحكم وكان استنتاج رئيس الحكومة يجانبه الصواب أيضا.. لأن القضية ليست في الحراسة ولكن القضية في الدور والتأثير واستقلالية الجامعة..
لا ينبغي أن يعلق مسئول كبير علي حكم قضائي سواء كان رافضا أو محتجا أو مفسرا لهذا الحكم وإذا كان من الضروري أن يعلق مسئول في الحكومة فليكن طرفا قضائيا مسئولا وإن كنت أري أن هذا أيضا يتعارض مع بديهيات العلاقة بين الحكومة وأحكام القضاء..
< جاء الحكم الثالث الذي قد يثير الكثير من الجدل حول إمكانية تنفيذه وهو الخاص بالحد الأدني للأجور كما قدره حكم الإدارية العليا بمبلغ1200 جنيه.. أن هذا الحكم يدخل في صميم مسئوليات الحكومة وهو يقرر حقوقـا للمواطن كما أنه يرد علي الكثير من الحجج التي تقدمها الحكومة حول مستوي المعيشة بما في ذلك حكايات الدعم وارتفاع الأسعار وأعباء المعيشة..
أن أخطر ما في هذا الحكم أن القضاء أصبح طرفـا مؤثرا في أزمات المجتمع خاصة ما يتعلق بالعدالة الاجتماعية وحقوق المواطنين تجاه الدولة.. هذه الأحكام الثلاثة الخاصة بأرض مدينتي والحرس الجامعي والأجور تعتبر أحكاما تاريخية جاءت في فترة متقاربة وأثارت الكثير من اهتمام الشارع المصري لتؤكد أن القضاء المصري ليس بعيدا عن هموم مواطنيه..
< فتحت هذه التجاوزات تجاه أحكام القضاء أبوابا كثيرة كانت وراء قرار المجلس الأعلي للقضاء بمنع تصوير أو نقل جلسات المحاكمة وصور المتهمين في المحاكم.. لقد شهد الإعلام المصري ما يمكن أن نسميه القضاء الموازي في عدد من البرامج الحوارية والصحف التي حاكمت المتهمين وبرأت وأدانت وقدمت الشهود بينما المحاكم الحقيقية تنظر القضية..
هذا الانفلات في تعليقات المسئولين حول الأحكام القضائية.. والمحاكمات الموازية في الإعلام المصري ومرافعات المحامين علي شاشات التلفزيون كان من أخطر مظاهر الخلل في العلاقة بين القضاء وأجهزة الدولة سواء كانت الحكومة أم الإعلام..
لم يخل الأمر من بعض المصطلحات التي تكررت وأصبحت تمثل صورة من صور التجاوز.. أن جميع الأحكام التي أصدرها القضاء المصري حول الطعن في نتائج الانتخابات وثبوت عمليات التزوير وإلغاء عضوية عدد كبير من نواب مجلس الشعب كانت تصطدم دائما بمقولة أن مجلس الشعب سيد قراره.. وقد أتاح هذا التفسير للمجلس أن يرفض تنفيذ أحكام قضائية نهائية.. وأن يجلس تحت قبة المجلس أعضاء مزورون وأن يحرم من هذه العضوية مواطنون آخرون حصلوا علي أحكام بصحة عضويتهم ورفض مجلس الشعب تنفيذها..
< في السنوات الأخيرة صدرت أحكام كثيرة لصالح المواطنين ولحساب مؤسسات كثيرة كانت أجهزة الدولة ترفض تنفيذها حتي لو دفع الشعب ثمن ذلك ولعلنا نتذكر حكم القضاء الإداري بإلزام الحكومة المصرية بدفع7 ملايين جنيه لصالح وجيه سياج في قضيته الشهيرة في أرض طابا وقد صرح أخيرا المستشار كمال اللمعي نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس محاكم القضاء الإداري بأن الحكومة رفضت أن تدفع هذا التعويض وكانت النتيجة أن لجأ سياج إلي التحكيم الدولي لأنه يحمل جنسية أجنبية ليحصل علي تعويضات بلغت قيمتها370 مليون جنيه.. وهذا أمر يثير الدهشة حكومة ترفض أن تدفع سبعة ملايين جنيه ويلزمها التحكيم الدولي بدفع370 مليون جنيه..
وفي حالات كثيرة أيضا رفضت الحكومة تنفيذ الأحكام القضائية في صرف تعويضات للمواطنين عن نزع ملكية مساحات من الأراضي للمنفعة العامة أو أحكام نهائية بإنشاء أحزاب سياسية أو إعادة إصدار صحف أغلقتها الدولة أو الإفراج عن المعتقلين السياسيين الذين حصلوا علي أحكام نهائية بالإفراج عنهم ولم تنفذها السلطات المسئولة..
< كان النموذج الصارخ لهذه العلاقة الغريبة بين المسئولين في الدولة وأحكام القضاء ما حدث أخيرا بين وزير الثقافة فاروق حسني والفنان محسن شعلان بعد خروجه من السجن وصدور حكم إدانة ضده ولم تحسم القضية بعد فمازالت أمام القضاء.. بعد عشرات التصريحات الجارحة بين الوزير وشعلان وبعد تبادل الاتهامات بين الطرفين في مؤتمرات صحفية يلتقي المسئولان ولم يقل لنا أحد بعد ذلك كله أين زهرة الخشخاش رأس الجريمة.. الوزير كان يري أن سرقة اللوحة ليست نهاية العالم والفنان شعلان يري أنها لوحة زبالة وضاعت اللوحة في زحام الاتهامات والتصريحات بين الوزير وواحد من مساعديه
كان ينبغي أن ينتظر الوزير حتي تتضح معالم القضية وأن يحترم حكم القضاء قبل أن يعلن عودة شعلان لوزارة الثقافة مستشارا بالدرجة الأولي كان ينبغي أن يرجع الوزير إلي مستشاريه.. ولكن هذا هو نفس المشهد الذي تكرر في أحداث مسرح بني سويف وسجن المستشار الصحفي للوزير وسجن مدير صندوق التنمية الثقافية ثم سرقة زهرة الخشخاش.. هكذا تدار مؤسسات الدولة وهكذا يتعامل المسئولون مع أحكام القضاء أنها ليست مؤسسات مسئولة ولكنها عزب تدار لحساب بعض الأشخاص..
لا اعتراض لأحد علي عودة العلاقة بين اثنين من الفنانين حسني وشعلان ولكن الاعتراض علي قرارات ومناصب جديدة وتوزيع تركة ونحن أمام كارثة وقضية مازالت أمام القضاء لأن دماء اللوحة المسروقة لم تجف بعد..
إن استخفاف أي مسئول بحكم قضائي جريمة مكتملة الجوانب لأن الأصل في أحكام القضاء أنها وجه الحقيقة والعدالة وتتجاوز في قدسيتها كل صاحب قرار أو سلطة مهما يكن منصبه..
من هنا ينبغي أن يتوقف السادة المسئولون الكبار عندنا عن التعليق علي أحكام القضاء أو الاستخفاف بها أو عدم تنفيذها وإذا كان هناك مسئول يريد التعقيب علي حكم من الأحكام فيجب أن يكون رجل قانون يعي ما يقول ويدرك مسئولية الكلمة
إن قضاء مصر هو أخر حصون العدالة التي ينبغي أن نحرص عليها..


.. ويبقي الشعر
ماذا تبيع الآن يا مسكين في هذا المزاد ؟
بين الفنادق والمصانع والمتاحف والمتاجر
شيء جميل أن تضيء مزادكم أوراق شاعر
في كل بيت من قصائده
تغنـي الحب.. وانسابت مشاعر
هو لم يكن يوما من الأيام دجالا..
ولم يحمل مباخر
هو لم يمارس لعبة العهر المقـنع
بالعفاف
ولم يلوث وجهه دنس الصغائر
هو لم يغير لونـه المنقوش
من طين الحقـول
ولم يحارب بالحناجر
هو ماء هذا النهر..
حين يجيء مندفعا.. وفي شمم يكابر
هو من شذي هذي الضفاف
وكم تعذب في هواها قلب شاعر
ماذا تبيع الآن في هذا المزاد ؟
هذا القلم
أسكنته عيني.. وحلق في سماء النـيل
أزمانـا طويله
قد عاش يرسم كل يوم ضوء قنديل..
تناثر في خميله
ولكل بيت كان يرسم للمدي
وطنـا.. وقداسا.. ومئذنة جميله
هذا القلم
أسكنته عيني..
وهام علي ضفاف النيل عشقـا
وارتوي بين الربوع
كم كان يشرق بين أوراقي
إذا انـطفأت شموس العمر..
واختنقت مع القهر الشـموع
لم يعرف الإذلال يوما.. والخضوع
بين الفنادق.. والمصانع.. والبيوت
من يشـتري قلما
تطارده خيوط العنكبوت؟
من يشتري قلما حزينـا داميا
رفض التنطع والتدنـي والسكوت ؟
بين المزاد أراه في صمت.. يموت
ماذا تبيع الآن في هذا المزاد ؟
من يشتري نظارتي ؟
منـها رأيت الكون أمجادا
تحلق في سماء مدينتي
ورأيت تاج الكبرياء..
يزين الوطن المهيب..
ويكتب التاريخ صحوة أمتي
ورأيت بين سطورها
وطنـا عنيدا صامدا
كم كان يرفع في شموخ هامتي
ورسمت فوق ربوعها أسراب طير
لا تكف عن الغناء..
ولا تفارق شرفتي
ألوانـها البيضاء كم رصدت
مفارق رحـلتي..
فيها انتصار.. وانشطار
وانكسار من سهام أحبتـي
نظارتي..
ماذ تبقـي من هموم الرحلة ؟
صخب المزاد.. وأنـت.. والكهان..
والزمن الملوث من دماء براءتي
ز2000 س


  fgoweda@ahram.org.eg