Loading

الأربعاء، 3 فبراير، 2010

جراثيم الفساد

هوامش حرة

جراثيم الفساد

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



عشرات الألاف من مرضي القلب في مصر وحاملي الدعامات الطبية بين شرايينهم وضعوا أيديهم علي قلوبهم العليلة وهم يقرأون ما نشرته الصحف ويشاهدون علي شاشات التلفزيون‏'‏ ورشة الخراطة‏'‏ التي تحولت إلي مصنع لإنتاج المستلزمات الطبية المطلوبة لمرضي القلب من الدعامات وشبك الصدر وأبر النخاع الشوكي وقامت مباحث التموين بضبط عشرات الآلاف من أجزاء قسطرة القلب المغشوشة بالقرب من المستشفيات الكبري في قلب القاهرة داخل أكياس تحمل أسماء شركات عالمية فرنسية وألمانية متخصصة في إنتاج هذه الأجزاء الهامة جدا في العمليات الجراحية لمرضي القلب‏..‏
ومن خلال التحقيقات أتضح أن عشرات المستشفيات الخاصة استخدمت هذه الأجزاء المغشوشة والمزورة وعلي كل مريض قلب في مصر الآن أن يبحث عن دعامة مغشوشة أو مزورة سكنت قلبه العليل واستراحت فيه وهناك آلاف الضحايا الذين حملوا هذا السر وهذه الجريمة معهم إلي قبورهم لتبقي شاهدا علي موت الضمائر وفساد الذمم وانهيار الأخلاق في مجتمع أهدر تماما حقوق مواطنيه في الحماية والحياة الكريمة‏..‏
أن الغريب في هذه الجريمة البشعة أن الشخص الذي يملك هذا المصنع ويدير هذه الكارثة طبيب ادي القسم ودرس في كلية الطب وعاهد الله أن يرعاه في صحة خلقه‏..‏

يحدث هذا في مصر بلد القصر العيني أول مدرسة للطب العريق تقام في العالم العربي منذ عشرات السنين‏..‏ يحدث هذا في مصر بلد التحنيط وعشرات الأطباء العظام الذين كانوا فخرا للطب ومدارس تعلم منها العالم‏..‏ يحدث هذا في بلد علم الدنيا وحدانية الخالق وأن هناك حسابا وعقابا وضميرا وأخلاقا ومسئولية نحاسب عليها أمام الله يوم لاظل إلا ظله‏..‏

لابد أن أعترف أنني رسمت دائما صورا كثيرة للفساد في مصر وتخيلت أشكالا وألوانـا ابتداء بنهب المال العام وانتهاء ببيع جثث الموتي وبعض أجزاء من الأحياء ولكن أن يصل الأمر إلي هذه البشاعة وهذه الدرجة من التوحش الأدمي فهذا انذار خطير بل كارثة اخلاقية‏.‏

إن ما حدث في ورشة المستلزمات الطبية كانت له مقدمات كثيرة من أكياس الدم الفاسد في مجلس الشعب والأدوية المغشوشة أو منتهية الصلاحية أو التي لا توجد بها المادة الفعالة ولك أن تتصور أن تشتري مضادا حيويا مغشوشا لشخص أجري عملية جراحية وتترك الجرح يأكل صاحبه حتي الموت أو أن يحقن الطبيب مريضا بالبنج وهو يعلم أنه منتهي الصلاحية وليس له أي تأثير‏.‏

إن في مصر الآن أعلي نسبة إصابة في دول العالم في أمراض القلب خاصة بين الشباب وأمام عجز المستشفيات الحكومية والتكاليف العلاجية الباهظة في المستشفيات الخاصة ظهرت في مصر‏'‏ ورش طبية‏'‏ صغيرة مثل الصناعات المغشوشة‏..‏ في مصر مئات العيادات ولا أقول المستشفيات التي أقيمت في شقق صغيرة في الأحياء الشعبية وغير الشعبية التي تجري فيها عمليات أسترة للقلب ويسميها الأطباء‏'‏ أساتر بئر السلم‏'‏ وفيها معدات وأجهزة قديمة تم تجديدها وتتم فيها عملية الاستره بمبلغ‏1500‏ جنيه وهي التي تتكلف ثلاثون ألف جنيه في المستشفيات الخاصة وللأسف الشديد أن المواطن المصري الغلبان يبيع كل ما عنده ليجمع هذا المبلغ ويذهب إلي مستشفي بئر السلم ويتم تركيب دعامة مغشوشة قد يعيش بها أسابيع وقد يحملها معه إلي قبره‏..‏ لا يستطيع الإنسان أن يلوم مريضا فعل ذلك لأنه لا يستطيع أن يدخل المستشفي الخاص ولا يجد لنفسه مكانـا في المستشفي الحكومي ولهذا يلقي بنفسه إلي التهلكه راضيا مرضيا ومن لم يمت بإرادة الله مات بالدعامات المغشوشة‏..‏
وهنا ينبغي أن نسأل أين الحكومة المصرية وأين وزارة الصحة وأين أجهزة التفتيش والأمن والحراسة بل الأخطر أين المواطن المصري الذي فقد حماسه وإحساسه بالمسئولية‏..‏ أين المواطنون وهم يشاهدون السيارات المحملة بالأجهزة والمستلزمات الطبية المغشوشة وهي تخرج كل صباح من أبواب العمارات‏..‏ والمستشفيات السرية التي يتوافد إليها آلاف المرضي كل يوم بلا ترخيص أو متابعة أو رقابة‏..‏ أن أي مظاهرة تقوم في حارة صغيرة تطاردها بسرعة البرق قوات الأمن المركزي وإذا وقف بائع متجول ومعه عربة صغيرة عليها عشر بطيخات يجد خمس عربات شرطة تحاصره‏..‏ وإذا اختلس أمين مخزن شيكارة سماد دخل السجن وإذا وضع تاجر ألبان كيلو ماء طاردته المحاكم والقضايا ووجد نفسه خلف القضبان ولكن من يبيع للمستشفيات أجهزة ومستلزمات طبية مغشوشة وفاسدة وغير آدمية يجد لجانا توافق وبنوكـا تدفع وملايين تسيل بين يديه‏..‏ إن الفساد في مصر لم يعد له أيدي وأرجل وعيون فقط لقد أصبحت له قلاعا تحميه ومؤسسات تحرسه‏..‏

وماذا نقول أمام الأشقاء العرب الذين يتوافدون إلي مستشفياتنا للعلاج وقد كانت مصر قلعة الطب التي يحتمي بها الجميع وهم يقرأون ويشاهدون الآن هذه الفضائح علي شاشات التلفزيون وفي مانشتات الصحف‏..‏



أن هذه القضية يجب أن تخضع لتحقيق كامل في جهتين الأولي هي وزارة الصحة وأرجو أن يتابعها الصديق د‏.‏حاتم الجبلي بنفسه وألا يتهاون فيها لأنها تمس في الصميم سمعة الطبيب المصري وصحة المواطن الغلبان‏..‏ أما الجهة الثانية فهي نقابة الأطباء وأنا علي يقين أن صديقنا الفاضل د‏.‏حمدي السيد نقيب الأطباء سوف يصل فيها إلي أبعد مدي من العقاب‏..‏

يكفي ما تعانيه قلوب المصريين من المتاعب اليومية وهموم الحياة التي تحاصرهم من كل جانب ويكفي الأمراض الكثيرة التي انتشرت بينهم شيوخا وشبابا وأطفالا‏..‏ فهل بعد ذلك كله تموت الضمائر وتفتح ألف باب لفساد الذمم والأخلاق‏..‏ لم أكن أتصور يوما أن بعض البشر عندنا سوف يصبحون أكثر خطرا من الجراثيم والأمراض في مجتمع فقد المناعة في كل شيء‏,‏ أن فساد مسئول في منصب قضية يمكن علاجها بفصله من عمله‏..‏ ولكن فساد مجتمع بهذه الصورة الوحشية كارثة أكبر‏..‏

من أين جاءنا كل هذا الشر والرغبة في تدمير أنفسنا وتدمير الآخرين كيف توحشت النفوس وتوحشت معها رغبات محمومة في جمع المال حتي ولو كان ذلك بالقتل العمد واستباحة أرواح الأبرياء‏..‏

كان ضمير الطبيب في يوم من الأيام يحمي الناس من الفيروسات القاتلة والجراثيم المدمرة‏..‏ ولكن من يحمينا الآن من الفيروسات البشرية التي تاكل أجسادنا وجراثيم الفساد التي دمرت كل شيء فينا‏..‏









ويبقي الشعر

لــــو أننـــــا لــــــم نــفــتــــــــرق

حملتـك في ضجر الشـوارع فرحتي‏..‏



والخوف يـلقيني علي الطرقـــات

تتمـايـــل الأحــــلام بيــــن عيــــوننـــا



وتغيب في صمت اللــقــا نبضاتي

واللــــــيـــل سكيــــر يعـانـــق كأســــه



ويطوف منتشيا علـــي الحانــــات

والضوء يسـكب في العيــــون بريقـــه



ويهيم في خجل علي الشرفــــات‏..‏

كنـا نصلـي في الطـريـق وحـــولنـــــا



يتنــدر الكــهــــــان بالضحكــــات

كنــا نـعانـــق في الظـلام دمــوعنـــــا



والدرب منفطــــــر من العبــرات

وتوقــف الزمن المسافـــر في دمــــي



وتعثرت في لوعـة خـطــــواتـــي

والوقت يرتـع والدقائــــق تختـــــفـــي



فنطارد اللحظـات‏..‏ باللحظـــات‏..‏

ما كنت أعــــرف والرحيل يشـــدنــــا



أنــي أودع مهجتــــي وحيـــاتـــي‏..‏

ما كان خوفي من وداع قــد مضـــي



بل كان خوفـي من فــراق آتـــي

لم يبق شـيء منــــذ كــــــان وداعنــــا



غير الجراح تئن فـــي كلمـــاتــــي

لـــو أننـــــــــا لـــــــــم نفـتــــــــــــرق‏..‏



لبقيت في زمن الخطيئــة توبتـــــي

وجعلت وجهك قبلتي‏..‏ وصلاتي‏..‏


'‏ من قصيدة لو أننا لم نفترق سنة‏1997'‏