Loading

الخميس، 11 فبراير، 2010

هوامش حرة : باريس‏..‏ بين المال والثقافة

هوامش حرة



باريس‏..‏ بين المال والثقافة



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة







كنت في باريس وشبح الأزمة الاقتصادية يجتاح العالم كالإعصار من بورصة نيويورك إلي طوكيو مرورا علي الاتحاد الأوروبي ودول شرق آسيا‏..‏ كانت العاصفة قوية وشديدة‏..‏ لم تهتز أركان البنوك وشركات التأمين وأسعار البترول والأسهم والسندات فقط ولكن البركان وصل إلي البيوت وإلي رجل الشارع العادي والطوابير التي تكدست أمام البنوك تسأل عن مصير أموالها وهل هي حقـا في مهب الريح؟‏..‏



كنت حائرا بين الشعر والمال‏..‏ في الوقت الذي اجتاحت فيه أزمة المال الأسواق العالمية كان هناك مهرجان للشعر في ايرلندا حيث ذهبت مشاركـا في مهرجان ليمريك الدولي للشعر الذي يقام كل عام في الفترة من‏15‏ إلي‏18‏ أكتوبر ويشارك فيه نخبة من شعراء العالم في مدينة ليمرك وهي واحدة من أجمل وأقدم المدن الأوروبية‏..‏



في باريس اختفي وجه الثقافة قليلا وهو أجمل وجوهها علي الإطلاق لأجد نفسي أتساءل مع العالم كله ما هي آخر محطات الإعصار الاقتصادي الذي أجتاح العالم وبدأ من أمريكا ولم يتوقف حتي الآن‏..‏



لاشك أن رد الفعل الشعبي في أوروبا ولأول مرة أخذ أشكالا عديدة في هذه الأزمة‏..‏ هناك من ذهب إلي البنك وسحب أمواله ووضعها تحت البلاطة‏..‏ وكان هذا شيئـا جديدا نسيه الغرب من سنوات بعيدة‏..‏ ولكن الغريب أن تجد من يقول لك أموالي بين يدي أفضل‏..‏ وهذا هو الضمان الوحيد‏..‏ حدث هذا بعد حالات الإفلاس التي حدثت في بنوك أمريكا وانخفضت أسعار الأسهم في البنوك والشركات بنسب مخيفه وانتقلت عدوي الإفلاس إلي أوروبا‏..‏ وقامت الحكومات الأوروبية تعلن خططها وسياساتها لإنقاذ اقتصاداتها‏..‏ كان اللوم واضحا وصريحا علي الدور الأمريكي الذي أفسد الاقتصاد العالمي ودفع به إلي هذه الهاوية‏..‏ أن أمريكا هي التي روجت لفتح الأبواب بلا حسابات‏..‏ وهي التي شجعت علي انسحاب الحكومات أمام الحرية الاقتصادية المزعومة بلا ضوابط أو شروط‏..‏ وهي التي ألغت الحواجز بين الدول تحت شعار العولمة الاقتصادية وتركت الشركات متعددة الجنسيات تخترق حدود العالم كله بما في ذلك الاقتصاد الأوروبي الذي كانت تحكمه بعض الضوابط وبعض التقاليد‏..‏ ثم أن أمريكا هي التي تورطت في حرب العراق وأفغانستان وكان الثمن فادحا‏..‏ ولم يخل الحديث عن تجاوزات في عمليات الإقراض والاعتماد علي أجيال جديدة من العاملين في البنوك يفتقدون الخبرات والشفافية ويحصلون علي مرتبات مخيفة بالملايين وكيف انتقلت كل هذه الأمراض من أمريكا لبقية الدول في العالم‏..‏



لقد حاول البعض إلقاء المسئولية كلها علي النموذج الأمريكي الذي أطلق عليه البعض الرأسمالية المتوحشة‏..‏ ولكن علي جانب آخر كانت هناك ادانات واضحة للسياسات الاقتصادية في دول أوروبا خاصة أن الاتحاد الأوروبي تحمل أعباء كثيرة من الدول التي كانت تسمي دول الكتلة الشرقية بعد غياب الاتحاد السوفيتي وقد تجسد ذلك في الكثير من المشاكل والأزمات والهجرة وارتفاع الأسعار‏..‏ وإذا كان البعض يري أن أمريكا هي التي صدرت هذه الأزمة لدول العالم فإن هناك من يشكك في أن الكثير من عناصر هذه الأزمة صناعة أمريكية وأن الأيام القادمة سوف تكشف ذلك بعد أن يهدأ الإعصار‏..‏



لقد ساعدت أمريكا طوال الأعوام الأخيرة علي هبوط وتراجع سعر الدولار أمام اليورو حتي وصلت نسبة التراجع إلي ما يقرب الضعف‏..‏ كان سعر اليورو عند إصداره‏85‏ سنتا‏..‏ ووصل في الشهور الماضية إلي‏1.5‏ دولار‏..‏ وقد ترتب علي ذلك أثار بعيدة أخطرها ارتفاع أسعار الصادرات الأوروبية لدول العالم بجانب ارتفاع تكاليف المعيشة وهروب السياح من دول أوروبا إلي أمريكا‏..‏ هذا بجانب الارتفاع الجنوني في أسعار البترول وكيف استفادت الشركات الأمريكية من ذلك كله‏..‏ وقبل هذا كان انخفاض حجم الديون الأمريكية إلي النصف أمام تراجع قيمة الدولار‏..‏



لقد حاولت كل دول أووربا الخروج من هذه الأزمة كل علي طريقته‏..‏ لقد دفعت انجلترا وهي خارج منطقة اليورو بأموال ضخمه لإنقاذ البنوك بل إنها عادت للحديث عن التأميم ودور ومراقبة القطاع الخاص‏..‏ وعادت ألمانيا إلي نفس الطريق لإنقاذ البنوك والشركات الألمانية وشهدت باريس اجتماعـا للتنسيق بين دول الاتحاد الأوروبي لمواجهة الأزمة‏..‏ ولكن الغريب في الامر أن تدفع أمريكا‏700‏ مليار دولار لإنقاذ بنوكها وشركات التأمين فيها ولا تنجح في وقف نزيف البورصة الأمريكية وهو ما حدث في انجلترا أيضا رغم‏250‏ مليار دولار دفعت بها إلي الأسواق وهو ما فعلته ألمانيا واليابان‏..‏ ألم تكن كل هذه الأموال كافية لضخ دماء جديدة في الأسواق التي تهاوت أسعار الأسهم فيها ووصلت إلي الحضيض‏..‏ وما هي نهاية هذا الزيف ؟‏..‏



أن سقوط البنوك في دوامة الإفلاس بنكـا بعد أخر حتي وصل عددها الآن إلي‏16‏ مؤسسة مالية ضخمة والدمار الذي لحق بالشركات الكبري صاحبة الأسماء الرنانة يضع العالم كله علي حافة الهاوية‏..‏ وهنا لا يستطيع أحد أن يتنبأ بشيء علي الإطلاق وإن كان قد طرح أكثر من سؤال أولها‏..‏ ما هو مستقبل الدول التي ارتبطت بهذه الدائرة الجهنمية التي تسمي الاقتصاد الحر وما هو الثمن الذي ستدفعه هذه الدول ونحن منها‏..‏ أما السؤال الثاني ما هو دور الحكومات في الفترة القادمة أننا هنا لا نتحدث عن صور وأشكال قديمة تحت شعار الاشتراكية وما شابهها ولكننا نتحدث عن دور الحكومات في حماية مواطنيها وقد أصبح ذلك ضرورة أمام رأسمالية بغيضة متوحشة لن ترحم المواطن ولن ترحم الحكومات‏..‏ أما السؤال الأخطر‏..‏ هل نحن أمام أزمة اقتصادية حقيقية أم أننا أمام فيلم من أفلام رعاة البقر صاغته ببراعة إدارة الرئيس بوش قبل أن ترحل علي غرار‏11‏ سبتمبر والحرب ضد الإرهاب ومحور الشر وأسلحة الدمار الشامل في العراق وطالبان في افغانستان وكل هذه الأكاذيب التي ملأت بها إدارة الرئيس بوش عقول العالم طوال السنوات الماضية‏..‏



الحقيقة لن تظهر كاملة الا بعد إعلان نتائج الانتخابات الأمريكية واختفاء الرئيس بوش حاملا معه أسرار فترة شديدة السواد في تاريخ العالم‏..‏


..‏ ويبقي الشعر

تـعالي نودع طـيف الأمانــي

ونـسدل يوما‏..‏ عليهـــــــا السـتـار

يعز علي رحيل الشمــــــــوس

ويحزن قلـبي لمــــــــوت النـهــــار



ولكنـه الدهر يقـســـــو علينـــا

ويخنق فينـا الأماني الصغــــــــــار

تعالي نـلمـلم أشــــــلاء عمــــر

ونـطوي حكـايا‏..‏ اللـيالي القصـار



قـضينـا مع الحب عمرا جميلا

وفي آخــر الدرب لاح الجــــــــدار

لماذا تـعربد فينــا الأمانــــــــي

ويخدعنـا وجهها المستـعــــــار ؟‏!‏



لماذا نـسافر خلـف النـجـــــــوم

ونحن نراها تـضل المســـــار ؟‏!‏

هو الحب‏..‏ مهما حملنـاه طفـلا

ومهما طـغـي في دمانا‏..‏ وجــار



سيغـدو مع الـبعد كـهلا حزينــــــا

يخلـف فينـا الأسـي‏..‏ والدمـــــار

أراك ارتعاشة حلـــــــم لقيــــــــط

يطـوف علـي النـاس في كـل دار



فـمن أين يأتي لعينيـــــك ضـــــــوء

وكل الذي في الحنايا انـكســار؟‏!‏

ومن أين يأتي الزمــــــان الجميــــل

وكل الذي في يدينـا انـتـظـــار؟‏!‏



فلا تعجبي من ثـلــــــوج الشتــــــــاء

تغطـي قلوبا كـساها الغـبـــــــــار

ولا تـحزني إن أتانــــــــا الصقـيـــــع

ولا تسألي العمر كـيف استـدار؟



لقد كـنت صبحا سري في الضلــوع

فبعضك نـور‏..‏ وبعضك نـــــار