Loading

الأربعاء، 10 فبراير، 2010

هوامش حرة : ماذا جري للمصريين؟

هوامش حرة

ماذا جري للمصريين؟

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة







في حريق مجلس الشوري ظهرت في الشارع المصري مشاعر غريبة تحدث البعض عنها بإستحياء شديد بينما قال البعض الآخر بصراحة واضحة أن الشعب لم يخف مشاعر الشماته تجاه حكومته وقد ظهر ذلك واضحا في تجمعات المواطنين في شارع قصر العيني ثم تأكد ذلك في كتابات كثيرة سواء في الصحف القومية أو الصحف الحزبية والمستقلة‏..‏ هناك بالفعل أحساس بالشماتة يجعلنا نتساءل ما الذي وصل بالمصريين إلي هذه الحالة وما أسباب هذه القطيعة بين الشعب وحكومته‏..‏ وأين مشاعر المرؤة والمشاركة والانتماء التي كانت دائما تميز روح الإنسان المصري حيث كنا نجده في مقدمة الصفوف أثناء المحن والأزمات‏..‏ ما الذي جعله ينسحب بهذه الصورة وكأن الأمر لا يعنيه‏..‏ وكأن هذا الحريق الذي أكل جزءا عزيزا من تاريخه وتراثه لا يهمه من قريب أو بعيد‏..‏



لابد أن تكون لدينا الشجاعة بأن نعترف بأن الإنسان المصري تغير في سلوكه ومواقفه ورؤيته للحياة والأشياء فإذا كان اليوم قد وجد نفسه بعيدا تماما عن أحداث ومواقف لا يشارك فيها فقد اعتاد أن يكون سلبيا في كل شيء فلم يطلب منه أحد أن يشارك في قرار أو صياغة قانون أو مواجهة أزمة أو مناقشة قضية فلا وجود لأحزاب سياسية أو تجمعات مهنية أو نشاط مدني‏..‏



أن كل شيء يخص هذا المواطن في أدق تفاصيل حياته يدور بين ثلاث دوائر ما بين الحزب الوطني ومجلسي الشعب والشوري ودهاليز الحكومة‏..‏ أن الغريب في الأمر أنه لا يعرف شيئـا من كل ما يجري في هذه الدوائر فلم يسأله أحد عن جدوي قرار ولم يأخذ أحد رأيه في قانون أو تشريع‏..‏ وهو أيضا لا يستطيع أن يقترب من هذه الأماكن‏..‏



إن هذا الانفصام بين الشعب وحكومته ترك مساحات كبيرة من عدم الثقة والشكوك والسلبية‏..‏ وقد وصل الأمر إلي درجة أخطر حيث أن بعض المسئولين عندنا يعتقدون أنهم أمام شعب جاحد لم يقدر خدماتهم العظيمة في سبيل هذا الشعب في حين أن هذا الشعب يؤمن عن يقين أن هؤلاء المسئولين لم يكونوا علي مستوي المسئولية والأمانة ومراعاة حقوق هذا الشعب‏..‏ كيف زادت هذه المشاعر بين المواطنين وتركت هذه الفجوة الواسعة بين الشعب وحكومته بين مسئولين يعتقدون أنهم قدموا كل شيء‏..‏ وموطنين يؤكدون أنهم لم يأخذوا من حكومتهم أي شيء‏..‏ وهنا ستكون المبررات كثيرة‏..‏


*‏ إن المواطن الذي وقف يتابع حريق مجلس الشوري هو نفسه الذي يقف كل يوم بالساعات في إشارات المرور في شارع قصر العيني لأن السادة الوزراء يتجهون بمواكبهم وحراستهم إلي مجلس الوزراء أو مجلس الشعب أو الشوري وما بين أعضاء المجلسين وأكثر من ثلاثين وزيرا يخترقون الشوارع كل يوم كان المواطن المصري يشعر بالظلم والمهانة‏..‏



لو أن مرور موكب كل وزير استغرق ثلاث دقائق‏..‏ لو أن مواكب المسئولين في المجلسين استغرقت نصف ساعة لأدركنا حجم المهانة التي يشعر بها هذا المواطن‏..‏ إن خروج الوزراء والأعضاء كل يوم يعطل مصالح الناس ومنهم المريض والعاجز والمسافر‏..‏ لنا أن نتصور مشاعر الرفض لمثل هذه السلوكيات التي تحولت معها حياة الناس إلي عبء ثقيل‏..‏


*‏ إن هذا المواطن الذي كان يتابع نيران مجلس الشوري هو نفسه الذي جلس خلف مجلس الوزراء مطالبا بحقه مع العاملين في الضرائب العقارية ولا يسمعهم أحد حتي يتحرك الوزير المسئول ويحن عليهم بكلمتين ويقول‏'‏ أتركوهم في الشارع‏'..‏ ما الذي ينتظره السادة المسئولون من هذا المواطن وهناك عشرات المواكب من العاملين في الدولة التي كانت تتظاهر أمام مجلسي الشعب والشوري ولا يسمعها أحد‏..‏ ما الذي تنتظره من مواكب العاطلين الباحثين عن فرصة عمل أو شباب الخريجين الذين يطاردون حقوقهم الضائعة‏..‏ إن الشيء الوحيد الذي كان دائما في استقبال هؤلاء هو قوات الأمن التي أصبحت تتحمل الآن تقاعس جميع المسئولين عن تحمل مسئولياتهم‏.‏


*‏ إن هذا المواطن الذي لا يعرف شيئـا عن مجلسي الشعب والشوري والحكومة غير أنهم أصحاب القوانين التعسفية التي تفرض الضرائب علي الناس وترفع الأسعار وتهين المواطن في رزقه وكرامته أمام طوابير الخبز‏..‏ هذا المواطن لم يقرأ في كتب التاريخ في المدرسة شيئـا عن وثائق ثورة‏19‏ وخطاب العرش واتفاقية الجلاء وسعد زغلول وعرابي وطه حسين‏..‏ أن هؤلاء جميعا سقطوا في ظروف غامضة من ذاكرة المصريين أمام تشويه التاريخ وتغيير ملامحه‏..‏ فلم يعد نصر أكتوبر يهم بجوار اتفاقية السلام‏..‏ ولم يعد استشهاد عبد المنعم رياض يهم أمام صفقات بيع الغاز ولم تعد دماء الشهداء تعني أحدا أمام توزيع الأراضي في سيناء ولم يعد الوطن ملكا لهذا الشعب بعد أن تم توزيعه في قرارات التخصيص وأعمال السمسرة‏..‏



كيف نطلب من الأجيال الجديدة أن تعرف تاريخها وقد فرطنا في هذا التاريخ‏..‏ لو لم يحترق مجلس الشوري ما عرف المصريون كل هذه الكنوز والآثار التي احتواها المبني المحترق ابتداء بكرسي العرش وانتهاء بنجمه سيناء التي أهداها حسني مبارك لمجلس الشعب بعد نصر أكتوبر العظيم‏..‏ من أين تعرف الأجيال الجديدة كل هذا التاريخ أمام عمليات التزييف التي شهدها تاريخ مصر في السنوات الأخيرة‏..‏


*‏ إن هؤلاء المواطنين الذين كانوا يقفون أمام حريق مجلس الشوري هم أشقاء وأباء وأمهات ضحايا عبارة الموت التي ضاع فيها المئات من أبناء هذا الوطن وهم أقرباء ضحايا قطار الصعيد ومذبحة مسرح بني سوبف وقطار كفر الدوار‏..‏ وهم الذين شاهدوا كيف يتم امتهان رموز هذا الوطن وهم أحياء فكيف يسألون عن تاريخ مضي وأشخاص أصبحوا في ذمة التاريخ‏..‏



إذا كانت النيران قد التهمت ذاكرة مصر في حريق مجلس الشوري فليست هذه المرة الأولي التي يحترق فيها هذا التاريخ لقد احترقت الأوبرا العريقة واحترق قصر الجوهرة والمسافرخانه ولم يسأل أحد‏..‏ أن الأجيال الجديدة التي نتهمها الآن بعدم الانتماء لم تعد تجد شيئـا تنتمي إليه حتي أحداثنا العظيمة لا يذكرها أحد إلا في المناسبات‏..‏



ما حدث من ردود فعل في الشارع المصري أمام حريق مجلس الشوري لا يمكن أن يدخل في باب الشماتة ولكنه يدخل في باب الرفض والغضب‏..‏ أما الرفض فإن كل مواطن مصري يشعر بالألم وهو يشاهد أجهزة الدولة بكل إمكانياتها وهي عاجزة عن إطفاء حريق أو حماية مبني رغم هذا الإنفاق الضاري علي مؤسسات الدولة والتي يتحملها المواطن في صورة ضرائب وأعباء ضاق بها وضاقت به‏..‏ أما الغضب فإننا جميعا نشعر بالغضب لأن من أخطأ لم يحاسب ومن سرق لا يسأله أحد‏..‏ ومن أفسد تاريخ شعب نضعه علي الأعناق‏..‏ وبعد ذلك كله يتساءل البعض ماذا جري للمصريين‏..‏ كلنا نعرف أسباب ما جري ولكننا للأسف الشديد ورغم كل هذه الكوارث مازلنا نتجاهل الحقيقة‏..‏





‏fgoweda@ahram.org.eg‏






..‏ ويبقي الشعر





في وحشة الأيام

والزمن الكريه‏..‏

لم يبق شيء



غير حبك أشتهيه

فالنهر هذا العاشق المجنون

أنكـر عاشقيه‏..‏



والحلم في صخب المزاد

يدور في سفه‏..‏ وتيه

والصبح‏..‏ هذا العابث المختال



أنكرنـا‏..‏ وعانـق قـاتليه‏..‏

والنهر‏..‏ هذا المارد الجبار

يرقد في المزاد وحوله السمسار



يسأل‏..‏ عن مراب‏..‏ يشتريه‏..‏