Loading

الجمعة، 29 يناير 2010

في مصر قضاء عادل

هوامش حرة

في مصر قضاء عادل

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـــدة








كنت ومازلت علي يقين أن في مصر قضاء عادلا‏..‏ وأن بيننا قضاة شرفاء صدقوا ما عاهدوا الله عليه أن يبقي العدل صوت الخالق بين عباده‏..‏ لأن القاضي ليس شخصا يجلس علي منصة محكمة‏..‏ ولكنه ضمير حي يتحرك بين الناس‏..‏ وميزان عدل يحكم بينهم‏..‏



كنت علي يقين أن سحابات الليل السوداء الداكنة لا يمكن أن تؤخر فجرا‏..‏ وأن الصبح سرعان ما يهبط علي الأرض لكي يحمل الليل خفافيشه ويرحل‏..‏ كان هناك شئ في ضمير هذا الوطن يشعرني بأن الظلم ساعة‏..‏ وأن العدل سيبقي حتي قيام الساعة‏..‏ تلك مشيئة الله التي فطر الخلق عليها‏..‏ أن يبقي العدل ميزان الكون وحارسه‏..‏



أحسست بمشاعر كثيرة وأنا أقرأ سطور حكم المحكمة الإدارية العليا بإلغاء قرارين جمهوريين في وقت واحد لأن فيهما إساءة لاستعمال السلطة‏..‏ حيث تم تعيين الحاصلين علي تقدير مقبول من خريجي كليات الحقوق في وظيفة مندوب مساعد بهيئة قضايا الدولة وتم استبعاد عدد كبير من الحاصلين علي تقدير جيد‏..‏ كان القرار الجمهوري الأول يحمل الرقم‏59‏ لسنة‏1999..‏ والقرار الثاني يحمل الرقم‏42‏ لسنة‏2003.‏



تأكدت ساعتها أنني لم أكن وحدي عندما كنت أصرخ في مقالي‏'‏ رسائل غاضبة‏..‏ في قضية شائكة‏'‏ مطالبا بقدر من العدالة والمساواة في الفرص بين المتقدمين لامتحانات الهيئات القضائية‏..‏ كنت في المقال الأزمة الذي حملتني مأساته إلي غرفة العناية المركزة بمستشفي دار الفؤاد أدافع عن حق من نسميهم الآن‏'‏ غير لائقين اجتماعيا‏'‏ من أبناء البسطاء في هذا الشعب في أن تكون لهم مكانتهم التي تتناسب مع تفوقهم وتميزهم‏..‏ كنت يومها أطالب بحق كل شباب مصر في أن يحتلوا المكانة التي تليق بهم كل حسب قدراته ومواهبه بعيدا عن مبدأ المجاملات والتوصيات وأبناء الأكابر‏..‏ قلت يومها إن أكبر كارثة سوف نواجهها أن تشعر الأجيال الجديدة أنها لم تعد تملك شيئا في هذا الوطن بعد أن تم توزيع التركة من المناصب والأدوار والأعمال والغنائم‏..‏ فينتهي شيء جميل اسمه‏'‏ الانتماء‏'‏ ويتواري إحساس رائع اسمه‏'‏ المواطنة‏'..‏



لم أكن أتصور أن السماء سوف تستجيب لدعوات المظلومين قبل أن تمضي ستة شهور علي إصابتي بأزمة قلبية لأنني صرخت رافضا تعيين الحاصلين علي تقدير مقبول وإبعاد أوائل كليات الحقوق من الحاصلين علي أعلي التقديرات وإجهاض قيمة عظيمة اسمها‏'‏ المساواة وتكافؤ الفرص‏'..‏



لم أكتف بقراءة خبر هذا الحكم الذي ألغي تعيين هؤلاء الحاصلين علي هذا المقبول‏..‏ ولكنني جئت بنص الحكم كاملا وهو وثيقة شرف لقضاة شرفاء‏..‏ ووثيقة إدانة لكل من يحاول أن يضيع علي الناس حقا مهما كان منصبه ونفوذه‏..‏ ومهما كانت مسئولياته‏..‏ جاء الحكم قاطعا مانعا لا لبس فيه ولا ادعاء‏..‏



لقد صدر هذا الحكم التاريخي العظيم من قضاة يدركون أمانة الأحكام ومسئولية الضمير ويراعون الله في كل ما يفعلون‏..‏ القاضي المستشار عادل محمود زكي فرغلي نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة‏..‏ والأعضاء نواب رئيس مجلس الدولة المستشارون محمد الشيخ علي أبو زيد وعبد المنعم أحمد عامر وسمير عبد الملاك منصور وأحمد منصور علي منصور وحضور المستشار محمد جميل مفوض الدولة وسكرتارية السيد خالد عثمان‏..‏ هذه هي أسماء هذه الكوكبة التي زينت بحكمها وجه القضاء المصري العريق ووضعته في مكانه زهدا وترفعا وأمانة‏..‏



كان الحكم قائما علي الطعن رقم‏11329‏ المقام من حمدي سعد بدري محمد الحاصل علي ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام‏2000‏ بتقدير جيد ودبلومين في القانون العام والقانون الإجرائي بتقدير جيد عام‏2002‏ من الجامعة نفسها‏..‏ وتقدم صاحب الطعن إلي وظيفة مندوب مساعد في الدفعة التكميلية واجتاز بنجاح كل الاختبارات‏..‏ ولكن بتاريخ‏2003/2/22‏ صدر قرار رئيس الجمهورية رقم‏42‏ لسنة‏2003‏ المطعون فيه متضمنا تخطيه في التعيين وأودع الطاعن تأييدا لطعنه حافظة مستندات طويت علي كتاب السيد المستشار أمين عام مجلس الدولة المؤرخ في‏2005/11/30‏ مرفق به بيان اجتيازه للمقابلة الشخصية وحصوله علي ست درجات‏..‏ كما قدم حافظة مستندات طويت علي كتاب كلية الحقوق جامعة القاهرة بتاريخ‏2005/12/24‏ يفيد بحصول السيد شعبان صلاح محمد مطر علي ليسانس الحقوق دور مايو‏1999‏ بتقدير مقبول‏..‏ وحصول السيد أيمن مقبل شاكر محمد علي الليسانس دور مايو‏2000‏ بتقدير مقبول وأن القرار الجمهوري تضمن اسم المستشهد بهما وعشرات غيرهما من الحاصلين علي تقدير مقبول‏..‏



حمل الطعن الثاني رقم‏5090‏ مقام من السيد وليد فودة الشرقاوي حاصل علي ليسانس الحقوق دور مايو‏1996‏ بتقدير عام جيد في كل سنوات الدراسة من جامعة طنطا‏..‏ وفي‏1999/2/25‏ صدر قرار رئيس الجمهورية رقم‏59‏ لسنة‏1999‏ بتعيين كل من محمد أمير السعيد سبع ومحمد مصطفي كامل عبد الرحمن شلوف رغم حصول كل منهما علي تقدير عام مقبول بالمخالفة لشروط الإعلان عن الوظيفة المطلوبة‏..‏ وكان في ذلك إخلال بمبدأ المساواة في التعيين في الوظائف‏..‏ وبناء عليه قررت المحكمة الإدارية العليا إلغاء القرار الجمهوري رقم‏42‏ لسنة‏2003‏ والقرار الجمهوري رقم‏59‏ لسنة‏1999‏ فيما تضمنه من تعيين الحاصلين علي تقدير مقبول وما يترتب علي ذلك من آثار‏..‏ صدر هذا الحكم في‏2005/4/9..‏



وقد وضع هذا الحكم التاريخي مجموعة نقاط أساسية تمثل الوجه الحقيقي لقضاء مصر العريق وتضع يدها علي أمراض كثيرة أصابتنا‏..‏ ويحاول الحكم تشخيص الداء وتقديم الدواء في صورة حضارية وإنسانية رائعة‏..‏



‏*‏ يقول الحكم في حيثياته‏:‏

إن ممارسة السلطة التقديرية في الوظائف القضائية سيظل علي وجه الدوام واجبا يبتغي وجه المصلحة العامة باختيار أكفأ العناصر وأنسبها‏..‏ وهو أمر سيبقي محاطا بإطار المشروعية التي تتحقق باستهداف المصلحة العامة دون سواها‏..‏ وذلك بالتمسك بضرورة توافر ضمانات شغل الوظيفة والقدرة علي مباشرة مهامها في إرساء العدالة دون ميل أو هوي‏..‏



إن هذه السلطة التقديرية هي وحدها التي تقيم الميزان بين حق كل من توافرت فيه الشروط العامة المنصوص عليها في القانون في شغل الوظائف القضائية وبين فعالية مرفق القضاء وحسن تسييره‏..‏ فلا يتقلد وظائفه إلا من توافرت فيه الشروط العامة‏..‏ بالإضافة إلي الصفات والقدرات الخاصة التي تؤهله لممارسة العمل القضائي علي الوجه الأكمل‏..‏



‏*‏ ويقول نص الحكم‏:‏

إن التعيين في الوظيفة القضائية يتم بمقتضي سلطة تقديرية مقيدة للصالح العام والتي تتطلب في شاغلها ـ فضلا عن الكفاءة العلمية ـ أعلي قدر من الحيدة والنزاهة والتعفف والاستقامة والبعد عن الميل والهوي والترفع عن الدنايا والمشتبهات والقدرة علي مجاهدة النفس الأمارة بالسوء في ظل ظروف الحياة الصعبة وضغوطها التي تجعل من النفوس الضعيفة فريسة للأهواء والنزوات وتسخير المناصب القضائية الحساسة لتحقيق أهدافها والانحراف بها عن جادة المصلحة العامة‏..‏



‏*‏ ويؤكد الحكم‏:‏ أنه لا مناص من أن توضع مسئولية اختيار العناصر المناسبة لشغل الوظائف القضائية في عنق شيوخ رجال القضاء يتحملونها أمام الله وأمام ضمائرهم فيكون لهم استبعاد الأشخاص الذين لا علم لهم بالحق ولا قدرة لهم علي الصدع به‏..‏ ولا يتمكنون من ضبط أنفسهم ولا كبح جماحها ومنعها من الميل عن جادة الحق فتلك أمانة‏..‏ وإنها ـ بحق ـ يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدي الذي عليه فيها ولا معقب عليهم في ذلك من القضاء ما لم يقم الدليل صراحة علي الانحراف بالسلطة أو التعسف في استعمالها تحقيقا لأهداف خاصة‏..‏



‏*‏ ويدين الحكم قرار لجنة الاختيار قائلا‏:‏ إن إدخال المرشحين غير المستوفين للاشتراطات المعلن عنها يجعل قرار اللجنة مشوبا بعيب مخالفة القانون‏..‏ الأمر الذي يوجب تنقية قوائم المرشحين واستبعاد غير المستوفين وإلغاء القرار الجمهوري المطعون فيه لإزالة المخالفة القانونية التي تصم القرار بعدم المشروعية‏..‏ وتنهي المحكمة الموقرة حكمها فتقول‏:‏ إن المحكمة تدرك الصعوبات التي تواجه الإدارة في تنفيذ حكمها بإلغاء القرار الجمهوري رقم‏59‏ لسنة‏1999‏ والقرار الجمهوري رقم‏42‏ لسنة‏2003..‏ إلا أنها تؤكد أنه لا مناص أمام هيئة المحكمة ـ بعد أن تكشف لها الحق ـ من أن ترجع إليه‏..‏ فإن الحق قديم لا يبطله شيء والرجوع إلي الحق خير من التمادي في الباطل‏..‏ وفي إدانة صريحة يؤكد حكم المحكمة أن العدالة البطيئة وإن كانت أقرب إلي الظلم فإن الظلم عينه أن تحيد عن الحق بعد أن تعضدت الحقيقة وأن يطوي القضاء جناحيه علي كل قرار غير مشروع حفاظا علي ما استقر بطلانا وظلما‏..‏ من أجل ذلك حق علي القضاء أن يقضي بما تكشف له من الحق وعلي السلطة المختصة أن تسارع إلي تنفيذ مقتضاه مهما كلفها ذلك من عناء‏..‏ فبلوغ الحق أغلي من كل عناء‏..‏



هذا هو نص حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في‏2005/9/4‏ وهو يضع أمامنا عدة ملاحظات أوجزها في هذه النقاط‏:‏



أولا‏:‏ أن ما كتبته في مقالي الأزمة حول تعيينات أعضاء النيابة العامة والهيئات القضائية الأخري لم يتجاوز الحقيقة‏..‏ وأن قضية الإخلال بالتقديرات كانت مطروحة أمام القضاء وحسمتها المحكمة الإدارية العليا وألغت قرارين جمهوريين بسبب تعيين الحاصلين علي تقدير مقبول واستبعاد عدد من الحاصلين علي تقديرات أعلي‏..‏ وأن في ذلك إساءة لاستخدام السلطة وعيبا في عمليات الاختيار بين المتقدمين‏..‏ ولعل هذا ما قلته في مقالي وكان سببا في تقديمي للتحقيق بقرار من المجلس الأعلي للقضاء في مكتب النائب العام أربع ساعات كاملة دخلت بعدها مستشفي دار الفؤاد مصابا بأزمة قلبية حادة‏..‏



ثانيا‏:‏ أن إلغاء قرارين جمهوريين في حكم قضائي لمحكمة عليا بهذه الدرجة يضع ألف سؤال أمام أجهزة في الدولة لا تراعي مسئولياتها كما ينبغي لأنها تضع الدولة كلها في موقع المساءلة والشك والريبة‏..‏



ثالثا‏:‏ ينبغي ألا نفرط أبدا في حقوقنا وأن نقف أمام القضاء مطالبين بهذا الحق‏..‏ وأكبر دليل علي ذلك هذا الحكم الذي جاء بعد أعوام من صدور القرارين الجمهوريين ليؤكد أنه لن يضيع حق وراءه شعب يدرك حقوقه ومسئولياته‏..‏ وإن كان هذا الحكم سوف يفتح ملفات كثيرة عن تجاوزات صارخة في التعيينات في وظائف الهيئات القضائية‏..‏



رابعا‏:‏ أن هذا الحكم يضع النهاية لمسرحية مؤلمة كان من سوء حظي أن أكون أحد أطرافها وأن أخرج من هذا العرض الكئيب بإصابة لن تفارقني ما بقي لي من العمر‏..‏ ولست نادما علي ذلك لأن شرف الكلمة وضمير القضاء هما أساس العدل لكل من يسعي إليه‏..‏



وفي هذه التجربة القاسية اكتشفت معادن كثيرة مزيفة وأخري حقيقية‏..‏



كان موقف نادي القضاة برئاسة المستشار زكريا عبد العزيز شيئا رائعا وصادقا ونبيلا‏..‏ وكانت وقفة المستشارين د‏.‏ مكي‏..‏ والخضيري‏..‏ والبارودي‏..‏ وغيرهم غاية في الصدق والأصالة وتقدير المسئولية‏..‏ ثم كانت وقفة الإنسان المصري العظيم الذي توجني بصدقه ووفائه واحتواني بحبه ورعايته‏..‏ هذه كلمات شكر ربما تأخرت وجاء وقتها الآن في لحظة حاسمة مع هذا الحكم القضائي الرشيد الذي وضع آخر سطر في هذه القصة الدامية‏..‏ وهي واحدة من بعض آلام المهمشين في هذا البلد ممن نسميهم الآن‏'‏ غير لائقين اجتماعيا‏'..‏



شكرا لقضائنا الشريف الذي أكد لنا ثقتنا التي لم تهتز في أن في مصر قضاء عادلا‏..‏



وأنا أطوي هذه الصفحة كنت أردد الحديث القدسي‏:'‏ وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين‏'..‏





‏'‏وكان فضل الله عليك عظيما‏'..‏





ويبقي الشعر



منذ اتجهنا إلي الدولار نعبده

ضاقت بنا الأرض واسودت ليالينا

عودوا إلي مصر غوصوا في شواطئها



فالنيل أولي بنا‏..‏ نعطيه‏..‏ يعطينا

فكسرة الخبز بالإخلاص تشبعنا

وقطرة الماء بالإيمان تروينا



عودوا إلي النيل عودوا كي نطهره

إن نقتسم خبزه بالعدل يكفينا



عودوا إلي مصر صدر الأم يعرفنا

مهما هجرناه في شوق يلاقينا