Loading

الجمعة، 29 يناير 2010

مسلسلات رمضان‏..‏ خسارة كبيرة

هوامش حرة

مسلسلات رمضان‏..‏ خسارة كبيرة

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـــدة









كانت الدراما المصرية ورقة رابحة أمام تراجع دور الفن المصري قيمة وتأثيرا في السنوات الماضية‏..‏ كان المسرح المصري قد دخل في غيبوبة طويلة أمام اختفاء الأعمال الجادة‏..‏ وكانت السينما قد تراجعت بصورة مؤسفة من حيث عدد الأفلام وقيمتها‏..‏ وكان الغناء فن مصر الجميل قد شهد فترة شحوب قاسية مع غياب نجومه الكبار‏..‏ في هذه الفترة ظهرت الدراما المصرية طوق نجاة أمام أزمة حادة‏..‏ وفي سنوات قليلة استطاعت أن تملأ الساحة العربية قوة وانتشارا وتأثيرا‏..‏ وبدأت الفضائيات العربية تتهافت علي إنتاج مصر من المسلسلات‏..‏ خاصة مع التوسع الرهيب في حجم الإنتاج في ظل قلعة وليدة هي مدينة الإنتاج الإعلامي‏..‏



كانت مصر قد دفعت فاتورة ضخمة لإقامة هذا الصرح الكبير‏..‏ وتحملت ما يقرب من ستة آلاف مليون جنيه يسدد اتحاد الإذاعة والتليفزيون عنها حتي الآن فوائد سنوية تقترب من‏500‏ مليون جنيه‏..‏ وكان ينبغي أن تصبح هذه القلعة الفنية الضخمة صرحا جديدا لإنتاج المزيد من المسلسلات الدرامية التي تشق طريقها في سماء كل بيت في عالمنا العربي‏..‏ كانت هناك أعمال كثيرة جادة قد تحولت إلي رصيد كبير في وجدان المشاهد العربي ابتداء بأعمال المبدع الكبير أسامة أنور عكاشة وهو رائد هذه الدراما بلا منازع‏..‏ ثم توافدت بعد ذلك كوكبة من الأسماء اللامعة التي تحولت معها الدراما المصرية إلي ساحة إبداع جديدة خرجت بالفن المصري من عزلته التي فرضتها أسباب كثيرة‏..‏



ابتداء برحيل المواهب الكبيرة وانتهاء بالفراغ الرهيب الذي عاني منه الفن المصري في الأعوام الماضية‏..‏



وكان الرهان الحقيقي في مسيرة الفن المصري في السنوات المقبلة علي الدراما المصرية كلون جديد مؤثر‏..‏ وقد ساعد علي ذلك هذا العدد الرهيب من الفضائيات العربية التي تحتاج إلي ساعات إرسال طويلة من أهم وأخطر عناصرها الدراما التليفزيونية‏..‏ يضاف إلي ذلك أن المشاهد العربي ارتبط بهذا اللون من الفنون ارتباطا وثيقا حبا في اللهجة المصرية التي يفهمها الجميع‏..‏ واقتناعا بقيمتها الفنية والإنسانية وارتباطها بقضايا كثيرة لا تهم المصريين وحدهم ولكنها تخاطب شيئا ما في أعماق كل إنسان عربي‏..‏ وسارت رحلة الدراما المصرية وأصبح لها فرسانها من الكتاب الجادين القادرين والمخرجين الأكفاء بجانب مجموعة كبيرة من الفنانين الكبار خاصة نجوم السينما المصرية‏..‏ هذا التاريخ القصير



والمؤثر كان يحتاج إلي دعم وتأكيد ومساندة‏..‏ وكانت الدراما المصرية في حاجة إلي من يدعم مسيرتها حتي لا تسقط في متاهات السطحية والتفاهة‏..‏ وللأسف الشديد أن العصر الذهبي للدراما المصرية لم يدم طويلا‏..‏ وأكبر دليل علي ذلك حالة الهبوط والتردي التي وصل إليها إنتاجنا من المسلسلات في شهر رمضان هذا العام‏..‏



لقد جاءت المسلسلات سطحية في أفكارها‏..‏ مفككة في بنائها‏..‏ ساذجة في طرحها‏..‏ وهي لا تمت بصلة إلي عصر جميل من الأعمال الجادة كانت حتي وقت قريب تزين الشاشات العربية‏..‏ إن أسوأ ما في نصوص هذا العام هذا التفكك الواضح في الأحداث والشخصيات والأماكن‏..‏ فهذا مسلسل يقدمه التليفزيون في‏30‏ حلقة يدور في فيلا بمدينة الإنتاج الإعلامي بين أسرة واحدة بكل أجيالها شيوخا وشبابا وأطفالا ونساء‏..‏ ولا أتصور مثل هذا الجهد الكبير لفريق من الفنانين الكبار تدور كل أحداثه بين أربع أو خمس حجرات‏..‏ ولم يكن هذا هو المسلسل الوحيد لأن هناك خمسة مسلسلات علي الأقل وقعت في هذا الخطأ الفادح‏..‏ الفقر الشديد في الأحداث والشخصيات والأماكن‏..‏



ولا أدري علي أي أساس بلغ إنتاج المسلسل عشرة أو عشرين مليون جنيه لأن هذا مال ضائع‏..‏ ويحتاج الأمر إلي مساءلة من الجهاز المركزي للمحاسبات‏..‏ لقد أشفقت كثيرا علي نجوم كبار بذلوا جهدا ووقتا وعمرا في أداء أدوار وأعمال لا تليق بتاريخهم‏..‏ ولا تتناسب مع قيمة الفن المصري العريق‏..‏ أشفقت أكثر علي كتاب كبار تاهت أسماؤهم وسط تفاهات أسماء لا علاقة لها بالدراما التليفزيونية من قريب أو بعيد‏..‏



في جانب آخر‏..‏ كانت المسلسلات المصرية كلها تقريبا تدور في فلك مجموعة من الوجوه يبدو أنهم كانوا يتنقلون من مسلسل إلي آخر‏..‏ لا فرق في الأحداث ولا اختلاف في الأماكن‏..‏ وحتي الأثاث الذي كانوا يجلسون عليه تكرر في أكثر من مشهد وأكثر من مكان وأكثر من مسلسل‏..‏ إن نجوم المسلسلات المصرية هذا العام التي تجاوزت العشرين مسلسلا جمعت فريق عمل واحد تكرر في كل الحلقات وفي كل المسلسلات‏..‏ وكان من الصعب علي المشاهد أن يتابع الأحداث من خلال الشخصيات لأن الأحداث متقاربة والشخصيات لا تختلف كثيرا عن بعضها‏..‏ ووجوه الممثلين لا تتغير‏..‏ وهذا أدي بطبيعة الحال إلي التداخل الشديد في أحداث المسلسلات‏..‏



وكان من أسوأ الظواهر في مسلسلات هذا العام الانحدار الشديد في مستوي الحوار والهبوط الفادح في لغة التخاطب بين شخصيات الأعمال الدرامية‏..‏ لقد نقل التليفزيون المصري هذا العام أسوأ ما يقال في حواري مصر علي ألسنة طبقات شعبية تعيش في القاع‏..‏ وهو اختيار غريب‏..‏ لأن هذه اللغة ـ حتي وإن كانت موجودة ـ تخص فئات معينة‏..‏ وينبغي ألا تصبح لغة للشارع من خلال الشاشات العريضة وعشرات الفضائيات‏..‏ لقد كان الحوار هابطا إلي أبعد الحدود‏..‏ والغريب أن هذا الحوار ينطلق مثل الرصاص علي ألسنة نجوم كبار يمثلون القدوة والنموذج للشباب والأطفال في كل بيت‏..‏



وهذا يعني أن الدراما التليفزيونية التي ينبغي أن ترتقي بسلوكيات الناس وأسلوبهم في التعامل والحوار قد تحولت إلي وسيلة ردح رخيصة في تليفزيون تملكه الدولة وينتج هذه المسلسلات من أموال الشعب الغلبان‏..‏ إن أسماء الشخصيات وتصرفاتها ومواكب النشالين واللصوص‏..‏ والوسائل الحديثة في عمليات السطو والسرقة‏..‏ والتحايل‏..‏ وتجارة الأعراض في الأبناء والعلاقات المشبوهة وحالات السكر والعربدة في رمضان‏..‏ ومشاهد النصب والتحايل جعلت الشارع المصري حديث كل بيت في العالم العربي وجعلت الأسرة المصرية المكافحة الصابرة علي كل هذا البلاء وسيلة تندر وسخرية وازدراء‏..‏ إن الحكومة تصاب بحالة من الانزعاج الشديد أمام مانشيتات الصحف المستقلة



التي تنشرها حول الفساد في مصر والذي يشاهد الدراما المصرية هذا العام سوف يكتشف أن الصحف المستقلة تمثل قشورا بجانب ما ترويه المسلسلات‏..‏ إن الأسرة المصرية ليست بكل هذا السوء وليست بهذه الدرجة من الانحراف والعري والترخص فما زالت هناك قطاعات كثيرة من أبناء هذا الشعب تتحمل كل ألوان الفقر والهوان ولا ترضي بغير الشرف أسلوبا للحياة‏..‏



لقد أخطأت الدراما المصرية هذا العام في حق الأسرة المصرية المكافحة الصابرة الشريفة‏..‏ فالمصريون لا يتحدثون جميعا بهذه اللغة الهابطة‏..‏ ولا يعيشون بهذه الأساليب المشبوهة والعلاقات المريضة‏..‏ ولا أدري لماذا نجلد أنفسنا بهذه الصورة القاسية ولماذا نعري حياتنا ونضع غسيلنا القذر علي الشاشات‏..‏ إن مصر الدولة لم تدفع ستة بلايين جنيه لتقيم صرحا إعلاميا وفنيا لكي يتحول إلي شواهد تؤكد وفاة كل قيمة جميلة في حياة المصريين‏..‏ إننا نعاني مشكلات وأزمات كثيرة ولكن بجانب آلاف الصور السوداء توجد صور كثيرة تستحق أن نضعها فوق رؤوسنا‏..‏ إذا كان فينا من سرق ومن نهب ومن تاجر فإن فينا أيضا من عاش بشرف وكافح بنبل وشهامة‏..



‏ وإذا كان فينا من سرق أموال البنوك وهرب فهناك من أقام وأنتج‏..‏ وإذا كان فينا من لوث الكلمة الشريفة وانتهك حرمتها فهناك من دفع ثمنها غاليا من عمره وشبابه‏..‏ وإذا كان هناك من تاجر في عرض ابنته في مسلسلاتنا فهناك ملايين الشرفاء الذين صانوا هذا العرض وماتوا دفاعا عنه‏..‏ والأسوأ من ذلك هذا الكم الرهيب من النشالين واللصوص والمرتزقة وتجار المحرمات الذين ملأوا الشاشة شهرا كاملا‏..‏



إن أغرب ما حملته مسلسلات هذا العام ذلك السقوط المروع للدراما المصرية‏..‏ وهذا النجاح الساحق للدراما السورية‏..‏ إن دمشق لم تنشئ مدينة إنتاج إعلامي تكلفها بلايين الجنيهات وليس لديها ريادة قديمة‏..‏ ولا جيش من الفنانين العباقرة ولا تتحدث كثيرا عن أمجاد سبقت ولكنها استوعبت الدرس كاملا وعرفت أسباب نجاح الدراما المصرية في الماضي فاختارتها وتنبأت بخيبة الدراما المصرية في الحاضر فتجنبتها‏..‏ ولهذا لم يكن غريبا أن تكون أبرز الأعمال الدرامية هذا العام علي الشاشات العربية من إنتاج سوري‏..‏ كانت الأفكار جيدة بل رائعة مثل نهاية حكم المسلمين للأندلس في ملوك الطوائف‏..‏ والظاهر بيبرس‏..‏



وكانت اللغة العربية الفصحي تاجا يزين رؤوس الفنانين السوريين وهم ينطقونها سلاسل ذهب تتألق‏..‏ وكان الإخراج رائعا‏..‏ والأماكن بألوانها وأطيافها غاية في التأثير‏..‏ وكانت النصوص جيدة في تماسكها وبناء شخصياتها الفنية‏..‏



إن الدراما السورية هذا العام تستحق كلمة تقدير لابد منها لأن كل فن جميل سواء كان مصريا أو عربيا هو في النهاية مكسب للإنسان العربي‏..‏ إننا نريد فنونا ترتقي بنا وتخرج بنا من سراديب اليأس والإحباط والضحالة والسطحية وتفتح أمام الأجيال الجديدة أبوابا واسعة لمستقبل أفضل‏..‏



لقد خسرت الدراما المصرية سباق هذا العام مثل خسارتنا في‏'‏ صفر‏'‏ المونديال‏..‏ ولا شك في أن ذلك سوف يترك أثرا بعيدا علي مستقبلها‏..‏ ولهذا ينبغي أن تكون لنا وقفة مع أنفسنا وأن يدرك القائمون علي إنتاج هذه المسلسلات أن أساليب الفهلوة والتحايل والضحك علي الناس سوف تتكشف أمام إنتاج هابط لا يليق بتاريخ مصر ودورها في تشكيل وجدان هذه الأمة‏..‏ ولعلنا نفيق الآن وليس بعد فوات الأوان‏..‏



بقيت ملاحظات ثلاث‏..‏ الأولي‏..‏ أن عدد المسلسلات المصرية علي الشاشات العربية هذا العام كان ضئيلا جدا‏..‏ وهذا مؤشر خطر‏..‏ والملاحظة الثانية هي الأرقام المخيفة التي حملتها قوائم الإنتاج بما في ذلك أجور الفنانين‏..‏ أما الملاحظة الثالثة فهي عدم وجود مسلسل ديني واحد طوال شهر رمضان علي أي قناة عربية أو مصرية‏..‏ ولعل المانع خير‏..‏ وأرجو ألا يكون ذلك بناء علي رغبة خارجية مغرضة‏..‏ وكل عام وأنتم بخير‏..‏