Loading

الخميس، 28 يناير 2010

المصريون‏..‏ ومقاعد المتفرجين

هوامش حرة



المصريون‏..‏ ومقاعد المتفرجين


يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـــدة








لا أريد أن أكون متفائلا وأقول إن الحزب الوطني سوف يترك نصيبا معقولا لأحزاب المعارضة في الانتخابات البرلمانية التي يجري الاستعداد لها الآن‏..‏ وفي الوقت نفسه أتمني ألا يتعامل الحزب الوطني مع هذه الانتخابات بالروح نفسها التي تعامل بها مع الشارع السياسي في انتخابات سابقة‏..‏ إن الذي يرجح هذا الاحتمال أن الصورة لم تتغير كثيرا وأن الوجوه التي أدارت معارك الأمس هي نفسها التي تستعد لتخوض معركة اليوم‏..‏ ولا شك في أنها ستكون خسارة كبيرة لجميع الأطراف إذا لم تكن الانتخابات البرلمانية الحالية خطوة إلي الأمام‏..‏






لقد كان الرئيس حسني مبارك واضحا وهو يؤكد أن احتكار الحزب الوطني للشارع السياسي أمر لا يتناسب أبدا مع الديمقراطية الحقيقية‏..‏ وأن التفاعل بين الأحزاب هو الضمان الوحيد لواقع سياسي أفضل‏..‏ وأن واجب الأحزاب أن تشارك وتقتحم العمل السياسي بجرأة وإصرار‏..‏






وفي تقديري أننا أمام امتحان صعب لكل الأطراف‏..‏


‏*‏ أول هذه الأطراف هو الحزب الوطني نفسه الذي ينبغي أن يتخلي عن مفهوم خاطئ تمسك به سنوات طويلة‏..‏ وهو أن حزب الأغلبية يجب أن يسيطر سيطرة كاملة علي المؤسسات التشريعية ممثلة في مجلسي الشعب والشوري‏..‏ ومن هنا كان الحزب الوطني يحطم كل التقاليد السياسية وغير السياسية من أجل الحصول علي كل أصوات أعضاء المجلسين إذا أتيح له ذلك‏..‏ وقد لجأ إلي إجراءات كثيرة من أجل تحقيق هذا الهدف‏..‏ ابتداء بتصفية المعارضين وانتهاء بإغراء المستقلين‏..‏






إننا جميعا ندرك أن إمكانات الحزب الوطني توفر له وسائل كثيرة من أجل تحقيق أهدافه‏..‏ وهذه الإمكانات لا تستمد قوتها وتأثيرها من وجوده الحقيقي في الشارع المصري ولكن من خلال دعم كامل من مؤسسات الدولة لحزب الأغلبية‏..‏ وهناك ضمانات كثيرة تجعل الحزب الوطني صاحب النصيب الأكبر في أي انتخابات برلمانية أو غير برلمانية‏..‏ ومن الخطأ أن نتصور حزبا بديلا في الشارع المصري في الظروف الحالية علي الأقل‏..‏ لأن الدولة ـ ممثلة في كل مؤسساتها ـ تحمي هذا الحزب وتراه جزءا منها‏..‏ وهنا ينبغي ألا نبالغ في أحلامنا‏..‏






ولكن الواجب يحتم علي الحزب الوطني ألا يتعامل بأساليب الماضي ويصر علي احتكار أصوات الناخبين ليفوز بكل مقاعد المؤسسات التشريعية‏..‏ إذا حصل الحزب الوطني علي أغلبية مناسبة بعيدا عن منطق الـ‏99%‏ من الأعضاء فسوف يكون ذلك أفضل كثيرا للتجربة الديمقراطية في مصر‏..‏ ولكن هل يقبل جهابذة الحزب الوطني من حرسه القديم أن يحصل الحزب علي‏75%‏ من أعضاء مجلس الشعب‏..‏ ما الذي يضير الحزب إذا حصلت المعارضة بكل ألوانها علي مائة أو مائة وعشرين مكانا في عضوية المجلس‏..‏ إن ذلك سيكون أفضل بكثير من أغلبية ساحقة لا تتوافر لها الشفافية المطلوبة‏..‏






الجانب الثاني في مأزق الحزب الوطني أنه دفع بالوجوه القديمة نفسها التي خاضت الانتخابات البرلمانية عشرات المرات‏..‏ ولا أدري ما هو السبب في ذلك‏..‏ هل هو إصرار علي عدم التغيير‏..‏ أم ضمان لاتباع أساليب سابقة في معارك الانتخابات حتي يصل إلي النتائج نفسها‏..‏ أم أن هذه الوجوه لا تريد أن تترك مواقعها‏..‏ وهل يعني ذلك أن هذه الوجوه هي التي ستتصدر واجهة الدولة مرة أخري في الولاية الجديدة‏..‏؟‏.‏






‏*‏ في الجانب الآخر تقف أحزاب المعارضة وهي ـ في تقديري ـ تعاني مأزقا أخطر من كل ما يعانيه الحزب الوطني‏..‏ إذا كنا نطالب الحزب الوطني بتغيير الوجوه‏..‏ فإن الأولي بذلك هي أحزاب المعارضة التي تطالب بالديمقراطية وهي لا تطبقها في التعامل مع أعضائها‏..‏ لقد كشفت انتخابات الرئاسة عن حالة العجز التي تعاني منها أحزاب المعارضة‏..‏ وأنها ليست أكثر من صحيفة ولافتة وبعض الشعارات‏..‏ وأنها لم تقدم للشارع السياسي كوادر واعدة منذ إنشائها‏..‏ وأنها تعاني مثل كل المؤسسات حالة من حالات الترهل المزمن‏..‏ ولهذا فإن أمام الأحزاب المصرية فرصة للاقتراب من الشارع والالتحام بالمواطنين‏..‏ خاصة أن الانتخابات الرئاسية فتحت الأبواب أمام هذه الأحزاب ومنحتها فرصة مناسبة ـ حتي وإن كانت غير كافية ـ للتعامل مع الواقع السياسي المصري‏..‏






إن واجب الأحزاب الآن أن تنزل إلي الناس وهي تدرك أن الحزب الوطني لن يمنحها فرصة كاملة للوجود‏..‏ وأن كل أرض تكسبها هي ورقة رابحة في مسيرة مصر نحو الديمقراطية‏..‏ وهنا ينبغي أن تدفع الأحزاب بوجوه وكوادر جديدة من الشباب أمام مرشحي الحزب الوطني ممن انتهي عمرهم الافتراضي‏..‏ سوف يقول البعض إن الحزب الوطني لن يتنازل عن سياسته الاحتكارية في العمل السياسي‏..‏






ومن قال إن ذلك أمر محتمل‏..‏ إن أمام الأحزاب معركة لا بديل عنها إذا كانت بالفعل تسعي إلي مشاركة حقيقية في الشارع المصري‏..‏ إن أخطر ما يهدد موقف المعارضة المصرية هذا الانقسام بين أجنحتها المختلفة‏..‏ وسوف يساعد ذلك علي تأكيد احتكار العمل السياسي لحزب الأغلبية‏..‏ إن الأحزاب المصرية تستطيع أن تكون شيئا مؤثرا وفعالا إذا توحدت أهدافها ومواقفها في هذه اللحظة التاريخية‏..‏ أما إذا سارت شيعا فلن تجني من ذلك شيئا‏..‏ ولعل ميلاد الجبهة الوطنية ونحن علي أبواب انتخابات برلمانية جديدة يكون ميلادا لواقع سياسي جديد أكثر فعالية وشفافية وإيمانا بحق هذا الشعب في الحرية‏..‏






‏*‏ الطرف الثالث في هذه المعادلة هو المواطن المصري الذي ابتعد عن الانتخابات وزهد العمل السياس سنوات طويلة ولم تعد لديه رغبة في أي لون من ألوان المشاركة السياسية‏..‏ وفي تقديري أن الشارع المصري تحرك قليلا‏..‏ إن درجة الحركة لا تتناسب مع تاريخه ومقوماته ورؤيته‏..‏ وهي حركة غير كافية‏..‏ ولكن هذه الحركة تجيء بعد سكون قاتل وحالة إحباط مدمرة وسلبية تجاوزت كل الحدود‏..‏ ولهذا ينبغي أن نستغل هذه اللحظة التاريخية‏..‏






إن المؤكد الآن أن هذا الشارع لن يعود أبدا إلي سلبيته الماضية‏..‏ وأن حركته حتي وإن كانت بطيئة إلا أنها لن تهدأ مرة أخري وأمامنا انتخابات مجلس الشعب التي ينبغي أن تكون امتحانا جديدا لإرادتنا ورغبتنا في التغيير‏..‏ إننا جميعا نطالب بالتغيير وسئمنا وجوها كثيرة انتهي دورها‏..‏ فلماذا لا نستخدم حقنا في ذلك‏..‏ لماذا لا نسقط في الانتخابات البرلمانية هذه الوجوه التي تفرض نفسها علينا فرضا‏..‏






لماذا لا نحاول أن نفعل شيئا بأنفسنا وقد أصابنا اليأس من الكلام‏..‏ لقد اكتفينا سنوات طويلة بمواقع المتفرجين‏..‏ فلماذا لا نقف ونرفض القبح ونحارب الفساد ونسقط رموزه‏..‏ قد تحدث بعض التجاوزات في الانتخابات‏..‏ وقد لا تكون علي درجة كاملة من الشفافية‏..‏ ولكن إصرارنا علي المشاركة سوف يجعل التجاوزات أقل وسوف يعطي فرصا أكبر لشفافية أكبر‏..‏ إننا أمام معركة تاريخية بين أحزاب تستطيع أن تعيد اكتشاف نفسها أمام جماهيرها‏..‏ وجماهير تستطيع أن تؤكد دورها في التغيير بعد أن أغلق الجميع آذانهم تحت دعوي‏'‏ ليس في الإمكان أفضل مما كان‏'..‏






ولهذا لابد أن تشارك كل طوائف الشعب في هذا الامتحان‏..‏


يستطيع العمال أن يكون لهم صوت في الانتخابات البرلمانية حتي يجيء برلمان يحافظ لهم علي ما بقي من حقوقهم أمام مواكب الخصخصة وعمليات البيع التي تهدد وجودهم في قوائم هذا المجتمع‏..‏






تستطيع الطبقة المتوسطة المغلوبة علي أمرها ما بين الفقر والحاجة‏..‏ والماضي العريق‏..‏ والحاضر المؤلم‏..‏ والمستقبل الغامض أن ترفع صوتها مرة أخري لتعيد دورها الضائع ومكانتها المفقودة‏..‏






يستطيع الفلاح المصري أن يسقط تجار الأسمدة‏..‏ وسماسرة بنوك التسليف‏..‏ ولصوص الجمعيات الزراعية‏..‏ ونواب القروض‏..‏ ليقف في البرلمان من يطالب بحقه ويدافع عنه ويتبني قضاياه‏..‏






يستطيع الطالب الذي حرموه من أبسط حقوقه في أن يمارس السياسة داخل كليته وجامعته أن يدافع عن رأيه وفكره ومستقبله أمام مجتمع لا يرحم أحلامه‏..‏






يستطيع ملايين العاطلين الذين لا يجدون عملا ولا أملا أن يتجهوا بالملايين إلي صناديق الانتخابات من أجل مستقبل يضمن لهم حياة كريمة‏..‏






تستطيع المرأة المصرية الحقيقية أن تأخذ مكانها دفاعا عن حقوقها بعيدا عن الأضواء والمهرجانات وكاميرات الفضائيات‏..‏






إن مأساة الشارع السياسي المصري الآن أنه تحول إلي جزر متناثرة‏..‏ ما بين الإخوان المسلمين‏..‏ والناصريين‏..‏ والوفديين‏..‏ والقوميين‏..‏ علي الرغم من أن اللحظة تحتاج إلي جهود هؤلاء جميعا حتي لا تفلت منا‏..‏ وتضيع‏..‏






إذا كنا بالفعل جديرين بديمقراطية حقيقية فلننزل إلي الشارع ونستخدم حقنا في إسقاط رموز الفساد ورفع راية العدل‏..‏






إذا كنا بالفعل نستحق أن نعيش في هذا الوطن ونكون جزءا منه وأصحاب حق فيه‏..‏ فيجب أن نرفع أيدينا ونصرخ ونطالب بحقوقنا ضد مواكب الفساد والتربح‏..‏






إن كل مسئول مستريح في مكانه‏..‏ وحوله من يحميه‏..‏ ولن يسمعنا أحد ما دمنا نتحدث مع أنفسنا في الخفاء‏..‏ ولكن إذا توحدت الصفوف‏..‏ والإرادة‏..‏ فلن يكون أمام مواكب الفساد غير أن ترحل‏..‏






لقد فتح الرئيس مبارك الباب أمامنا‏..‏ وهناك أطراف كثيرة لا تريد ذلك‏..‏ هناك من يريد إغلاق الصحف‏..‏ وكسر الأقلام‏..‏ وإجهاض هذه الفرصة التاريخية‏..‏ وهناك من يدافع عن مصالحه ورغبته في البقاء‏..‏ وهناك من يسعي إلي مزيد من المال والسلطة والنفوذ‏..‏ ولكن إرادة المصريين هي التي ستحدد مستقبل مصر بعيدا عن المغامرين والمزيفين والمنتفعين‏..‏






ومن هنا‏..‏ فإن واجبنا جميعا أن نستثمر هذه اللحظة ونتمسك بها كفرصة تاريخية لن تعوض‏..‏ هذه مسئولية الحزب الوطني ربما تخلص من أنانيته‏..‏ وأحزاب المعارضة ربما تخلصت من سلبيتها‏..‏ والشارع المصري لعله يستعيد دوره في المشاركة السياسية‏..‏






إنها فرصة تاريخية لأن يقف الشارع المصري لأول مرة مطالبا بحقه في الحرية‏..‏ وهي أبسط الحقوق‏..‏ ويكفينا ما ضاع منا‏..‏ وما حدث فينا‏..‏ ونحن نجلس في مقاعد المتفرجين‏..‏





ويبقي الشعر



مازلت كالطفل الصغير إذا بدا

طيف الحنان يذوب في لحظات



مازلت أعشق رغم أن هزائمي

في العشق كانت دائما مأساتي

آمنت بالإنسان عمري كله

ورسمته تاجا علي أبياتي



مازلت رغم العمر أشعر أنني

كالطفل حين تزورني هفواتي

عندي يقين أن رحمة خالقي

ستكون أكبر من ذنوب حياتي