Loading

الاثنين، 12 مارس، 2012

هوامش حرة : الوصايا العشر للتيارات الإسلامية

هوامش حرة
الوصايا العشر للتيارات الإسلامية
بقلم: فاروق جويدة
13/01/2012


لا توجد لدينا خبرات أو تجارب سياسية في عصرنا الحديث يمكن أن نقدمها إلي التيارات الإسلامية‏,التي فازت في انتخابات مجلس الشعب واكتسحت بجدارة الشارع المصري,فلم تكن لدينا تجربة حزبية ناجحة نتحدث عنها. ولم يكن لدينا زعماء سياسيون يمكن أن يمثلوا القدوة, كل ما كان لدينا حزب شمولي تعفن وتحول إلي معقل من معاقل الفساد والنهب.
لا أعتقد أن تراثنا السياسي في السنوات الماضية قد حمل شيئا ذا قيمة حتي نتوقف عنده ونقول هذا نموذج يستحق أن نبني عليه وأن نبدأ من خلاله.. كانت تجربتنا السياسية مع الحزب الوطني كارثة تاريخية ربما تدرسها الأجيال القادمة كنموذج فج للفساد السياسي بكل أشكاله..
لقد اكتسحت التيارات الإسلامية انتخابات الشارع المصري,وليس أمام الجميع من المؤيدين والمعارضين لهذه التيارات غير أن يخضعوا لإرادة الجماهير التي ذهبت إلي لجان الانتخابات وعبرت عن مواقفها واختياراتها.. وإذا كانت القوي السياسية الأخري قد خسرت الرهان وأصيبت بصدمة,فإن الفائزين أنفسهم يعيشون الآن حالة تشبه الذهول لهذه النتائج التي لم يتوقعها أحد,فلا الذين خسروا توقعوا خسارة بهذا الحجم.. ولا الذين فازوا تصورا فوزا بهذا الكم. إن هذه النتائج تلقي عليهم مسئوليات جسيمة.. وتضعهم أمام اختبارات قاسية.. وقبل هذا فإن هذه التيارات طوال تاريخها قد مارست العمل السياسي في نطاق محدود لم يتجاوز نشاطا اجتماعيا أو ثقافيا ضئيلا.. أما إدارة شئون دولة في حجم مصر فهي مسئولية جسيمة..
ليس لدينا الكثير الذي نقدمه للتيارات الإسلامية وهي تضع أقدامها ولأول مرة علي طريق المسئولية.. هناك رصيد شعبي ضخم يساندها وله مطالبه.. وهناك تيارات منافسة تتربص بها,فنحن في النهاية بشر.. وقبل هذا كله هناك أعباء ضارية تنتظرها ولكن في كل الحالات علينا الآن أن نشد من أزرها ونساند خطاها وتبقي أمامنا بعض الملاحظات التي قد تستفيد منها هذه التجربة الوليدة..
أولا: إذا أردت أن تعرف شيئا فابحث عن نقيضه.. ولدينا تجربة مريرة مع الحزب الواحد تجمعت فيها كل السلبيات والأخطاء والكوارث.. إن أمام التيارات الإسلامية كل خطايا الحزب الوطني ورموزه وعليها ألا تكرر هذه الأخطاء.. عليها ألا تنفرد بسلطة القرار وأن تتصور أن الأغلبية يمكن أن تكون مصدر قوة لأنها أسهل الطرق إلي الديكتاتورية وهي أسوأ أنواعها.. إن نشوة الانتصار والفوز يمكن أن تتحول إلي إحساس بالذات يجعل الإنسان لا يري غير نفسه.. وبقدر ما للأغلبية من مصادر القوة فإنها تحمل الكثير من مصادر الضعف.. وفي تجربة الحزب الوطني المنحل في انتخابات2010 أكبر دليل علي هذا السقوط المدوي في الشارع المصري.. وما بين نجاح زائف في الانتخابات وانهيار حقيقي في الأداء كانت أخر صورة للحزب الوطني وهو ينهار تماما أمام إرادة الجماهير الغاضبة في ثورة يناير..
علي التيارات الإسلامية الصاعدة أن تستوعب بحق تجربة سقوط الحزب الوطني وتبدأ منها رحلتها مع العمل السياسي الحقيقي بين الناس,وفي الشارع ما أكثر أخطاء الحزب الوطني,وهي لا تحتاج إلي دراسة ولكنها واضحة للجميع وعلي قوي التيار الإسلامي أن تستوعب هذا الدرس..
ثانيا: للتيارات الإسلامية تجارب طويلة في الشارع المصري اقتربت فيها من هموم الناس وشاركت بقدر إمكاناتها في مواجهة هذه المشاكل والأزمات. كانت لها تجارب ناجحة في الأحياء الفقيرة والمستوصفات والمدارس والجامعات والنقابات المهنية والعشوائيات والريف المصري والتجمعات العمالية. لقد جاء الوقت لتعميم هذه التجارب في كل أرجاء مصر, إنها تجارب لا تحتاج إلي استثمارات ضخمة ولكنها تحتاج إلي قدر من التفاعل والتلاحم مع المواطنين... كلنا يعرف أن نقابة الأطباء قامت بدور كبير في تقديم الخدمات الصحية للأحياء الفقيرة,وكلنا يعلم أن هناك مؤسسات صغيرة كانت ترعي طلاب الجامعات الفقراء وتقدم لهم الكتب والمذكرات بأسعار رمزية.. وتوفر لهم السكن والملابس.. هذه الأنشطة يمكن التوسع فيها.. صحيح أنها لن تعالج مشاكل دولة ولكنها يمكن أن تقدم صورة للتكافل الاجتماعي,وهنا يمكن أن يظهر دور جديد لرجال الأعمال والطبقات الغنية في تحمل مسئوليتها الاجتماعية.
ثالثا: من أسوأ ما ترك لنا العهد البائد إحساس المواطن المصري أنه لا يملك شيئا في هذا الوطن لا قبرا ولا سكنا وأن هناك عصابة استطاعت الاستيلاء علي موارد هذا البلد وسخرتها لنفسها.. لقد ورثت هذه العصابة مصادر الدخل ماليا, وورثت الوظائف الكبري لأبنائها اجتماعيا.. وتحولت إلي نفوذ وقوي سياسية وأصبحت تحتكر المال والسلطات والقرار, وهنا يجب أن تنتهي كل هذه التشكيلات العصابية في إدارة شئون الدولة.. يجب أن يعود مبدأ تكافؤ الفرص علي أسس سليمة من العدل وتقدير الكفاءة.. وأن يتم توزيع موارد الدولة علي الجميع.. وأن تنتهي إمبراطوريات توزيع الأراضي وحصص البترول وأموال السياحة وقناة السويس وإن تراجع كل هذه البنود بصورة دقيقة تضمن إنقاذ الطبقات الفقيرة من براثن الفقر والحاجة. يجب أن تنتهي أسطورة الزواج الباطل بين السلطة ورأس المال وتعود السلطة لأصحاب القرار.. ويعود المال لدوره الحقيقي في بناء المجتمع علي أسس من العدالة والفرص المتكافئة.
رابعا: هناك ثلاثية لا تحتمل التأخير أو التأجيل أو المساومة وهي قضايا التعليم والثقافة والإعلام, وهي أسوأ ما ترك لنا العهد البائد وأخطر مشاكل مصر الشعب والتقدم والدور.. إن التعليم في مصر يحتاج إلي ثورة وينبغي ألا نختلف إطلاقا حول هذه القضية,فلابد أن نبدأ حيث انتهي الآخرون.. نريد تعليما عصريا جادا يساهم في تقديم إنسان أفضل وإنتاج أكثر تقدما وحياة أكثر رفاهية واكتفاء.. ونريد ثقافة جادة تحافظ علي الثوابت فكرا ودينا ودورا ورسالة نستعيد بها مسئوليتنا التاريخية في حفظ تراث هذه الأمة لغة وتراثا, والانطلاق إلي آفاق الثقافة العالمية من خلال حوار متكافئ وإيمان بوحدة هذا الكون,وغايتنا فيه إنسان أكثر إنسانية وعالم أكثر أمنا وسلاما.
نحتاج إلي ثورة في الإعلام تستوعب ما وصل إليه العالم من تكنولوجيا العصر وتحرص علي تقديم نموذج إنساني رفيع في فكره وحواره ودوره.. إن الإعلام هو أخطر وسائل العصر وهو من مصادر القوة التي لا يمكن تجاهلها وبقدر ما له من الإيجابيات هناك سلبيات كثيرة ينبغي تجنبها خاصة ونحن علي أبواب فترة تحول خطيرة.. إن ثلاثية التعليم والثقافة والإعلام هي التي تتحمل مسئولية بناء فكر الإنسان الذي نسعي إليه وهي أولي خطوات الديمقراطية الصحيحة التي نريدها.
خامسا: لن تستطيع القوي الإسلامية مهما كانت قدراتها أن تنفرد بسلطة القرار,وعليها أن تستعين بكل خبرات المجتمع بعيدا عن الانتماءات الدينية أو السياسية أو الفكرية.. نحن أمام تحديات تحتاج إلي جهودنا جميعا في البناء.. وهذه التيارات تدرك عن وعي أن ثروة مصر الحقيقية هي هذا الرصيد البشري الرائع بكل تنوعه واختلافه,وعليها أن تستثمر ذلك إلي أبعد مدي.. لقد انتهت صراعات ومعارك الانتخابات.. وعلينا أن نغلق الآن هذه الملفات ونبدأ صفحة جديدة تتوحد فيها إرادتنا لأن أمامنا تحديات كثيرة لا يستطيع فصيل واحد مهما كانت قدراته أو تيار واحد مهما كانت خبراته أن يتحمل أعباءها,وليس أمامنا غير الحوار والرأي الآخر حتي لا نسقط فريسة الرأي الواحد الذي وصل بنا إلي ما نحن فيه من مظاهر التخلف والأزمات. علي التيارات الإسلامية أن تدرك أننا لا نعيش وحدنا.
سادسا: أمام التيارات الإسلامية ثلاثية هي أخطر ما يواجه مصر وهي ثلاثية الانفجار القادم وهي الأمية والعشوائيات والبطالة.. عار علينا بعد ثورتين وأكثر من ستين عاما أن يكون بيننا أكثر من20 مليون مواطن لا يقرأون ولا يكتبون وشبابنا أول شباب في التاريخ يستخدم تكنولوجيا العصر في إشعال ثورة, لأن هذا قمة التناقض في تركيبة هذا المجتمع.. إن طوابير الأمية يجب أن تتراجع خلال عامين أو ثلاثة ولو نجح التيار الإسلامي في مواجهة هذه الكارثة وحدها فيكفيه فخرا أن يسجل ذلك في تاريخه.. أما قضية العشوائيات والملايين الذين يسكنون علب الصفيح فهي ألغام موقوتة تحيط بنا من كل جانب ومنها تخرج أزمات كثيرة في الجريمة والبلطجية وأطفال الشوارع وهي لا تحتمل التأجيل.. نأتي إلي اللغم الأخطر وهو ملايين الشباب الذين لا يعملون.. إن البطالة يمكن أن تتحول مع الأمية والعشوائيات إلي أخطر براكين يواجهها المصريون في عصرهم الحديث والأزمات الثلاث تحتاج إلي حلول جذرية وغير تقليدية.
سابعا: نحن في حاجة إلي تصفية ملفات الماضي بشرط ألا يشغلنا ذلك عن مواجهة تحديات ومشاكل الحاضر والمستقبل. لابد من إجراء مراجعة شاملة لخطايا النظام السابق وفتح ملفات الانحرافات المالية وسرقة أموال الشعب والعمل علي استعادتها.. ومع هذا فتح ملفات الفساد السياسي والقوي السياسية التي شاركت في هذه الجرائم.. إن إعادة الأموال المهربه والأراضي المسروقة والمشروعات المخربة. واسترداد أموال الشعب في الخارج كل هذه القضايا لا ينبغي السكوت عنها لأن الشعب لن يغفر لمن سرق أو تواطأ أو هرب.
ثامنا. لابد من إيجاد حلول جذرية لمشاكل الأمن والأسعار والطبقات الفقيرة. إن قضية الأمن هي أولي وسائل الاستقرار,وهي الطريق الوحيد للتنمية الاقتصادية وإعادة عجلة الإنتاج.. ومشكلة الأسعار أصبحت الآن تمثل تحديا حقيقيا لهيبة الدولة ومسئوليتها أمام جشع التجار واختلال الموازين والقيم. وحين يتوافر الأمن.. وتدور عجلة الإنتاج وتواجه الدولة مشكلة الأسعار سوف يخفف ذلك كله الكثير من الأعباء التي تعاني منها الطبقات الفقيرة وهي الأحق في الفترة القادمة بأن تتجه إليها كل الجهود.
تاسعا: لابد من تصفية كل ما تركته أحداث الثورة في النفوس من شوائب وخصومات, وعلي التيارات الإسلامية أن تبذل كل ما تستطيع من أجل المحافظة علي وحدة شباب الثورة وتياراتها المختلفة بحيث لا تترك الأحداث الأخيرة إحساسا سيئا لدي هؤلاء الشباب لأنهم الأحق بالتكريم,ومن الخطأ أن يتصور البعض أن الثورة انتهت والغنائم وزعت وهدأ بركان الرفض والغضب.. لابد من مصالحة حقيقية بين أطراف المعادلة الشباب والمجلس العسكري والفائزون بالغنائم وبغير ذلك لن تهدأ الأحوال ومن هذه المصالحة يبدأ تنفيذ برنامج الثورة الحقيقية حرية وعدالة اجتماعية وكرامة للجميع.
عاشرا: لابد من مواجهة الخلافات الفكرية والفقهية بين التيارات الإسلامية بعضها البعض حتي تصل إلي صيغة من التوافق وأن تفرق بين ما هو ديني وما هو سياسي وما هو إنساني, لأن المطلوب من هذه التيارات الآن أن تتحمل أعباء ومسئوليات وأزمات85 مليون مواطن فيهم المسلم والمسيحي. والمؤمن والملحد ولهذا يجب أن تفرق بين إقامة الصلاة وشروط الوضوء والصوم, وبين مطالب ملايين البشر الذين يسعون إلي مجتمع يوفر لهم الأمن والسكن والرغيف والتعليم والعلاج حين يجد الإنسان المسلم نفسه في موقع المسئولية, فهو ليس مسئولا عن المسلمين أبناء عقيدته ولكنه مسئول أمام مجتمع كامل بكل ما فيه من تناقضات, وبقدر النجاح تكون المسئولية وبقدر التفوق يكون الدور ولاشك أن العالم كله وليس المصريون فقط ينظرون إلي التيارات الإسلامية وهم يتساءلون ماذا أنتم فاعلون وهل سيتوقف كل شيء علي إقامة الفرائض وتنفيذ الحدود وتحريم الخمر وإقامة الصلوات ومطاردة السافرات وإغلاق الشواطئ, أم أننا أمام عقول تفكر وتبحث عن طريق آمن للخلاص وإقامة مجتمع جديد أكثر عدلا ورفاهية وأمانا؟!.