Loading

الجمعة، 13 مايو، 2011

هوامش حره : محنة العقل المصري‏..‏

فاروق جويدةهوامش حره
محنة العقل المصري‏..‏
بقلم: فاروق جويدة

 


لاشك أن قضايا المال العام ونهب ثروات الشعب المصري تتصدر الآن المشهد العام أمام المحاكم وفي التحقيقات التي تشمل رموز النظام السابق‏..
إن الأزمة الاقتصادية هي الآن أخطر وأهم قضايا مصر بعد الثورة.. وعلي الجانب الآخر تقف قضايا الأمن وهي تهديد واضح وصريح لاستقرار مصر حتي يمكن لها أن تتجاوز ما تركته الثورة من آثار وما تركه النظام السابق من كوارث.. وما بين مال مصر الضائع واستقرارها المهدد ورؤوس النظام السابق التي تقف أمام العدالة تطل أمامنا محنة أخري لا تقل في تأثيرها وخطورتها عن أزمة الاقتصاد والأمن بل انها تهدد الاثنين معا.. نحن أمام محنة حقيقية كشفتها أحداث ما بعد الثورة وهي محنة العقل المصري..
لم تكن مصر في يوم من الأيام دولة غنية في مواردها الاقتصادية ولكن ثراء مصر الحقيقي كان دائما في قدراتها البشرية المميزة ومن هنا كانت أسرار التفوق المصري في العلوم والفنون والآداب والإنتاج والتخطيط والقدرة علي مواجهة العصر.. تاريخ حضاري عريق قدمه العقل المصري للبشرية ابتداء بنظريات التوحيد قبل ان تهبط الأديان السماوية وانتهاء بالفنون التي سجلت علي المعابد كل هذا التاريخ الحافل بالإنجازات والرؤي..
وإذا كان استرداد الأموال المنهوبة أمرا ممكنا وإعادة الأمن والاستقرار إلي ربوع الوطن ليس شيئا مستحيلا فإن إعادة بناء العقل المصري سيكون هو العبء الأكبر في صياغة مستقبل الوطن..
خرجت علينا في الشهور الأخيرة صور كثيرة لحجم الخراب الذي لحق بمؤسسات الدولة المصرية في ظل سياسات النهب والاعتداء علي المال العام وغياب الإحساس بالأمانة والمسئولية.. لقد فاجأتنا الثورة بكل مظاهر الدمار الخفي والمعلن التي أصابت حياتنا في ظل النظام السابق.. هناك من يحاول أن يدافع عن خطايا الأمس ويتباكي علي سنوات الأمن والاستقرار حتي ولو كان ذلك في ظل اقتصاد منهوب ووطن مستباح.. وهناك من يقف الآن مع الملايين في طابور طويل وهو يتصور أنه سوف يتسلم شيكا من الحكومة بحقه في الأموال المنهوبة.. وهناك من يحلم بأن الثورة ستوفر لها بيتا وعملا وزوجة ومدرسة وطبيبا خلال أيام قليلة.. لاشك أن الثورة قد فاجأتنا بسقف من الأحلام تجاوز كل الحدود.. وما بين واقع من الكوارث خلفه النظام السابق ومستقبل من الأحلام صنعته الثورة تبدو الآن هذه المفارقة العجيبة بين الأمس والغد..
في ظل هذه التناقضات التي حملتها صور الأمس وأحلام الغد تبدو صورة العقل المصري الذي أعدنا اكتشافه بعد الثورة وهي تؤكد أنه يمثل المحنة الحقيقية وأن الخسارة فيه تعتبر أكبر خطايا النظام السابق.. كنا دائما نتحدث عن الفساد الفكري والثقافي الذي أحاط بالعقل المصري ومحاولات التشوية المتعمد الذي تعرضت له الثقافة المصرية ولكننا لم نكن نتصور أن حجم الخراب قد وصل إلي هذه الدرجة..
هناك ثلاثية يمكن أن نسميها ثلاثية الفساد الفكري في مصر وهي التعليم والإعلام والثقافة.. وكثيرا ما كنا نحذر من أن هذه الثلاثية تتعرض لخطط مدروسة لتشويه هوية الإنسان المصري..
حين قامت ثورة يناير برزت أمام أحداث الثورة جينات حضارية وإنسانية قديمة في سلوكيات المصريين.. مظاهرات راقية لشعب متحضر بالفطرة.. تحركات سلمية لم تشهد جريمة واحدة.. لغة راقية في الحوار والرفض.. أساليب عصرية في الاحتجاج.. سلوكيات متحضرة في التنظيم والتوحد والمشاركة..
لقد أظهرت ثورة يناير أجمل ما بقي فينا من الجينات الحضارية التي جاءت في سلوكيات ومواقف فطرية كانت مثار اعجاب من العالم كله.. وحين وقف شباب مصر يصلي في ميدان التحرير بالصليب والهلال.. كانت هذه هي روح مصر التي عشنا بها زمنا طويلا.. وحين قام الشباب بتطهير ونظافة ميدان التحرير وقف العالم مشدودا لان المصريين كانوا أول شعب في التاريخ يثور في الميدان وينظف طرقاته قبل أن يرحل منه..
إذا كانت الثورة قد أخرجت للناس أفضل ما فينا كشعب متحضر فإن الخلل العقلي الذي أصاب الإنسان المصري في السنوات العجاف سرعان ما ظهر علي السطح وبدأ يرسل إشارات كثيرة سيئة ومخيفة..
اتضح لنا أن النظام السابق ترك مخلفات كثيرة بجانب فلول الحزب الوطني والبلطجية واللصوص ومزوري الانتخابات وحملة المباخر من بقايا النخبة الفاسدة والمفسدة..
لقد ترك لنا أشياء كثيرة تذكرنا به لأنها تحتاج وقتا طويلا حتي نشفي منها..
كان من أخطر مظاهر الخلل التي تركها العهد البائد للعقل المصري هذا التشدد الديني المخيف الذي طفح علينا فجأة ليؤكد لنا أن هناك ظواهر فكرية غريبة ومريبة قام النظام السابق بتربيتها في الظلام لتخرج علينا الآن..
ان البعض منا يتحدث الآن عن الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط وهذا طرح خاطيء في كل شيء.. نحن أمام صورة من صور التخلف الفكري التي أصابت العقل المصري في ظل جهالة ثقافية وفكرية عادت بنا للوراء مئات السنين..
لم تكن أمراض التشدد قاصرة علي جانب واحد وهم المسلمون ولكن الداء لم يترك أحدا ووجدنا أنفسنا نعاني من تشدد إسلامي في مواجهة تشدد مسيحي.. وهنا كان الهجوم علي الكنائس والتظاهر أمام مقر البابا والصدامات أمام مبني التلفزيون وميدان عبد المنعم رياض وما حدث في إمبابة.. نحن أمام ظواهر عقلية متخلفة تشكلت في السنوات العجاف وكبرت علي ثقافة الجهل والتخلف وأمراض التطرف الفكري بكل أشكالها.. هذه العقول نشأت في ظل الكبت السياسي والقهر المعنوي والانتخابات المزورة ومحاولات الاستقطاب الأمني وتحريض فئات المجتمع علي بعضها البعض طمعا في كراسي السلطة.. وحين تفتحت الأبواب خرجت هذه الأمراض وانتشرت في الشوارع تؤكد وجودها..
هناك ثلاثية يقوم عليها بناء عقل الإنسان المصري طوال تاريخه في ثوابته هي الدين.. والتاريخ.. والفن.. وحين تسقط منظومة الدين الصحيح في وسطيته تغزو مواكب التدين المشوة والمريض عقول الناس فتكون أمراض التعصب والتشدد والتطرف وكل هذه المنظومة التي تشجعها الظروف الاجتماعية من الفقر والجهل والتخلف..
وحين تسقط منظومة التاريخ تتسرب إلي عقول الشعوب أمراض كثيرة تتأكد مع غياب الذاكرة وسقوط منظومة القيم واختلال مفاهيم الانتماء وتشويه صورة الوطن وحقوق المواطنة..
وحين تسوء أحوال الفنون يتصحر وجدان الشعوب وتتراجع المساحات الخضراء فيها ويخبو صوت الضمير فلا نفرق بين نهر يجري ومستنقع نعيش فيه..
ولاشك أن هذه الثلاثية قد أصابتها انتكاسة طويلة.. من يشاهد الآن الساحة الدينية وما يجري فيها من صراعات ومعارك وفصائل تكفر بعضها وتوشك أن تحمل الخناجر يدرك حقيقة ما حدث للعقل المصري من عمليات إفساد واختراق مقصودة.. اما عمليات الإفساد فقد كان إفسادا واعيا مدروسا حين أهملنا ثوابت هذا الشعب وتمت أكبر عملية تخريب لتراثه الثقافي والفكري.. أن ما يحدث الآن في الساحة الدينية نتاج طبيعي لإهمال الثقافة المصرية الحقيقية وامتهان تراثها وإهدار ثوابتها وقد دخلت في ذلك معارك الحكومات المتتالية ضد الأديان تحت دعاوي الإرهاب والحوار مع الآخر ولم تكن هذه الظواهر في حقيقتها الا معارك سياسية سخرت أجهزة الأمن لقمع المعارضين والرافضين.. وكان الارتماء في أحضان ثقافات وافده دافعا لحالة من الارتداد الشديد للخلف بين أجيال شابة لم تجد من يسمعها أو يتحاور معها وكان الهروب إلي الدين هو الملجأ والملاذ.. علي جانب آخر كان تشوية ذاكرة الشعوب من خلال تاريخ مزيف وأحداث ملفقه وبطولات كاذبة.. وساعد علي ذلك كله فنون مريضة ضللت وجدان الشعوب ودفعت بها إلي متاهات من الضياع النفسي والتعليمي والاخلاقي..
وفي ظل تعليم متخلف.. وإعلام مزيف ساذج وسطحي.. وثقافة مريضة كانت كل الأمراض التي لحقت بالعقل المصري في السنوات العجاف.. وهي ما نراه الآن في أساليب العنف التي تجتاح الشارع وان تخفت في الدين أو السياسة.. انها محنة عقل حائر بين كل هذه التناقضات فلم يجد تعليما سليما ولم يجد إعلاما صادقا.. ولم نفتح له أبواب ثقافة حقيقية.. ولهذا فسدت ثلاثية التكوين في هذا العقل وهي الدين.. والتاريخ والفن ومن يحاول البحث عن مناطق التفوق والتميز في تاريخ العقل المصري سوف يتأكد ان هذه الثلاثية هي التي وضعته دائما في الصدارة.. وسطية الدين.. وأمانة التاريخ.. وقدسية الفن.. ابحثوا عن هذه الثلاثية وأنتم تطفئون حرائق الكنائس.. وتطاردون البلطجية.. وتحاكمون من سرقوا المال العام.. قبل هذا كله يجب أن نبحث عن إجابة لهذا السؤال.. من أفسد العقل المصري أغلي ثروات مصر.. وكيف نعيد لهذا العقل بريقه الغائب ودوره المفقود..
وما بين أزمة عبير وكاميليا ووفاء تبدو لنا صورة العقل المصري بكل مظاهر التخلف الفكري والتعصب الديني وانهيار مقومات ثقافة التسامح والوسطية وهي ظواهر مرضية وفكرية ودينية لم تكن في يوم من الأيام من خصائص العقل المصري بكل رصيده الحضاري العظيم..


.. ويبقي الشعر

 
في ساحة الملك أصنام مزركشة
عصابة من رماد الصبح تكتحــــل
وأمة في ضلال القهر قد ركعت
محنية الرأس للسياف تمتثـــــــــــل
في كل يوم لنا جرح يطـــــاردنا
وقصة من مآسي الدهر تكتمـــــــل
من ذا يصدق أن الصبح موعدنا
وكيف يأتي وقد ضاقت بنا السبل ؟
قد كان أولي بنا صبــح يعانقـــــــنا
ويحتوي أرضنا لو أنهم.. عدلـــــــوا
عمري همـوم وأحلام لنا سقطـــــت
أصابها اليأس.. والإعيـــــاء.. والملل
يا أيها العمر رفقــا كان لي أمــــــل
أن يبرأ الجرح.. لكن خاننـــي الأمل
ففي خيالي شمــوخ عشت أنشـــــــده
صرح تغنت به أمجـــــــــــادنا الأول
لكنه العار يأبـــــــي أن يفارقنــــــــــا
ويمتطي ظهرنا أيان نرتحــــــــــــل
يا أيها الجرح نار أنت في جســـــــدي
وجرحنا العار كيف العار نحتمــــل؟
قالــــــــــوا لنا أرضنـــــــــــــا أرض مباركة
فيها الهدي.. والتقي والوحي والرسل
ما لي أراها وبحر الدم يغـــــــــــرقـهـا
وطالع الحظ في أرجائـــها.. زحل ؟
لم يبرح الدم في يــــــــــــوم مشانقهــــا
حتي المشانق قد ضاقت بمن قــــتلوا
يا لعنة الدم من يوما يطهرهــــــــــــــا ؟
فالغدر في أهلهـــا ديـن له مـــــــــــلل
في أي شيء أمــــــــــام الله قد عدلوا ؟
وكــلهم كاذب.. قالــــوا وما فعلــــــوا
هذا جبـــــــــان وهذا بـــــاع أمتــــــــــــه
وكلهم في حمي الشيطان يبتهـــــــــل
من يوم أن مزقوا أعـــــــــــــراض أمتهم
وثوبها الخزي.. والبهتــــان.. والزلـل
عار علي الأرض كيف الرجس ضاجعها
كيف استوي عندها العنين.. والرجل ؟
يا وصمــــــة العار هزي جذع نخلتنـــــــا
يساقط القهر والإرهاب.. والدجـــــل
ضاعت شعـــــــــوب وزالت قبلــنا دول
وعصبـة الظــلم لن تعــلــو بها دول
من قصيدة مرثية.. ما قبل الغدوب1997

الخميس، 5 مايو، 2011

هوامش حره : مصر الثورة‏..‏ وحسابات المستقبل

فاروق جويدةهوامش حره
مصر الثورة‏..‏ وحسابات المستقبل
بقلم: فاروق جويدة
2011/05/06 

 



العلاقات بين الشعوب هي الابقي‏..‏ ومهما استراح الحكام في كراسي السلطة فهم الي زوال‏,‏ ولااعتقد ان هناك مواطنا عربيا من المحيط الي الخليج لم يكن يحلم مثلنا ان تعود مصر الي موقعها ودورها قوية رائدة مضيئة بين الجميع‏..‏
كنا نتحاور مع المثقفين العرب ويتساءلون اين مصر وأين دورها ولماذا فرطتم فيه.. سنوات طويلة غابت فيها مصر عن عالمها العربي وتراجع دورها واختصرت وجودها في بقعة صغيرة علي شواطيء شرم الشيخ حيث كانت تدار شئون اكبر دولة عربية.. اختصرنا مصر في عدد من المهرجانات الصاخبة وعدد من رجال الاعمال المغامرين.. وعدد من المسئولين الباحثين عن الصفقات والمصالح وعدد من الراكعين في رحاب السلطان وعدد من المثقفين من حملة الابواق والمباخر.. اما مصر الفكر والثقافة والدور والهيبة والمسئولية فقد غابت امام حسابات خاطئة وادوار مشبوهة ومسئولين باعوا انفسهم للشيطان..
لقد تراجع الدور المصري وأصبح حائرا بين عاصمتين اثنتين في السياسات والمواقف والحسابات.. مابين ثلاثية شرم الشيخ تل ابيب واشنطن عاشت مصر حبيسة ضمانات البقاء في السلطة وبرامج التوريث والمزيد من المكاسب.. عاشت مصر بكل ثقلها وتاريخها بين ايدي مجموعة من تجار السياسة والمال والصفقات المريبة..
< غاب دور مصر السياسي واصبحت كل اوراق اللعبة السياسية في يد امريكا واسرائيل وكبر الدور الاسرائيلي في المنطقة وكان كل يوم يسحب من رصيد الدور المصري دوليا وعربيا واقليميا.. واستطاعت الادارة الامريكية ان تضع اقدامها في كل ربوع العالم العربي في ظل غياب كامل للدور المصري.. وظهرت اطراف اخري استطاعت ان تتسلل وتمتد أذرعها وتشارك بل وتضع يدها علي مفاتيح كثيرة في المنطقة كما حدث مع ايران وتركيا.. وانسحبت مصر من عمقها الاستراتيجي في السودان ومنابع النيل والمغرب العربي بل انها ارتكبت حماقات كثيرة كان منها موقعة الجزائر الاعلامية وهي من أسوأ المشاهد في تاريخ السياسة المصرية كما انها انسحبت تماما من السودان ليتم تقسيمه وتركت البحر الاحمر للقراصنة والمغامرين.. لقد اقتصر دور مصر علي ترويج منظومة السلام العاجز مع اسرائيل في ظل وصاية امريكية وشراكة اوروبية مشبوهة..
< غاب دور مصر الاقتصادي ويكفي ان مصر قد خرجت تماما من اهم وأخطر فترات خطط النمو الاقتصادي في دول الخليج العربي حيث انفقت هذه الدول بلايين الدولارات في مشروعات البنية الاساسية والانتاج والخدمات والمرافق واستأثرت امريكا واوروبا والهند والصين بكل هذه البرامج في حين خرجت مصر منها تماما وقد كانت هي الاحق بأن تكون الشريك الاكبر.. اكتفت مصر بفتات علاقات مشوهة مع الشراكة الاوروبية أو صفقات هزيلة مثل الكويز أو بيع اهم سلعة مصرية مطلوبة في كل العالم وهي الغاز الي اسرائيل. في فترات الطفرة الاقتصادية في دول الخليج غاب دور مصر واكتفي المسئولون فيها بالرحلات الخاصة والهدايا الشخصية والصفقات المشبوهة وكان كل مسئول يزور هذه الدول يوقع عقود شركاته وشركات ابنائه ولايحمل منها للمصريين شيئا.
< غاب دور الثقافة المصرية والاعلام المصري عن المواطن العربي.. باعت مصر كل تراثها السينمائي والغنائي للفضائيات العربية الوليدة.. وتم نهب تراثها التاريخي من الوثائق والمخطوطات النادرة.. حتي اللوحات الفنية العالمية كانت تسرق في عز النهار كما حدث مع زهرة الخشخاش.. وتراجع الغناء المصري وتحول المطربون المصريون للغناء الخليجي.. وقدمت السينما المصرية أسوأ اعمالها من سينما المقاولات الي المخدرات الي الجنس.. وتحولت الثقافة المصرية في ظل ثقافة السوق الي بوتيكات للانتاج الثقافي, وسيطرت الحظيرة الثقافية علي العقل المصري فانتشر التطرف الديني في كل ربوع مصر والمسئولين عن الثقافة هائمون في مهرجانات الرقص والصخب المجنون.
كان تراجع الدور الثقافي المصري في العالم العربي من اكبر الخسائر التي لحقت بالثقافة المصرية.. ولم يكن غريبا امام هذا الغياب ان تتراجع اللغة العربية ليس في مصر وحدها, ولكن في العالم العربي كله امام غياب الدور المصري وان تسيطر الجامعات والمدارس الاجنبية علي برامج التعليم, وان تصبح الثقافات الوافدة في التعليم والفنون واللغات هي المصدر الاول في الدول العربية امام غياب الدور المصري صاحب النفوذ والريادة..
وامام الثورة الاعلامية في العالم العربي لم تستطع مصر الصمود امام المنافسة الضارية ورؤوس الاموال الضخمة. كنا نتحدث عن الريادة الاعلامية وحولنا تدور معارك ضخمة في الانتاج والتوزيع والالحاح بالغناء والمسلسلات والبرامج, ووجدنا انفسنا ذات يوم في معركة عنيفة مع قناة وليدة تسمي الجزيرة استطاعت ان تقتحم كل حسابات تكنولوجيا الاعلام المعاصر..
< غاب دور الانسان المصري في العالم العربي بفكره وثقافته ووعيه.. وكان دائما اهلا للتكريم والترحيب والاشادة لم يعد المدرس كما كان من حيث الأثر والمكانه.. ولم يعد الطبيب هو نفس الطبيب ولا عالم الدين هو نفس العالم وللاسف الشديد ان من ذهبوا في رحلات عمل عادوا بأفكار واشكال وعقول اختلفت تماما عن النسيج المصري القديم الرائع في فكره المبدع وتدينه السليم ومفاهيمه الراقية..
سقطت بين ايدينا ثمار كثيرة مرة طوال السنوات العجاف.. كانت اسفار المسئولين صفقات خاصة.. وكانت مواكب المغامرين تسبق اصحاب الفكر والابداع والرؤي..
ان مايؤكد ان حسابات القرار في مصر كانت خاطئة ومغرضة ماحدث في الشهور الاخيرة ومنذ قيام ثورة25 يناير.. ويبدو انه كان من الضروري ان تحدث الثورة حتي تعود مصر الي شعبها وامتها العربية.. كان الغياب طويلا.. وكان الثمن فادحا.
لقد تغيرت تماما مشاعر الاشقاء العرب تجاه مصر بعد الثورة وصاحوا معنا في وقت واحد لقد عادت لنا مصر التي نعرفها.. عشرات المصريين في الدول العربية يبعثون الآن برسائلهم الينا يتحدثون عن فرحة الشعوب العربية بثورة الشعب المصري.. لقد عادت مصر الي مكانتها في قلوب الاشقاء العرب عادت بشموخها وتاريخها وصورتها الحقيقية في الوجدان العربي.
لقد شهدت القاهرة في السنوات الماضية عشرات المؤتمرات واللقاءات والمناورات بين فتح وحماس ولم تصل الي شيء.. وفي ساعات قليلة جمعت القاهرة شمل الاشقاء لتتم المصالحة مع ثورة يناير العظيمة.. لقد قدمت مصر للقضية الفلسطينية كل الدعم حربا وسلاما.. وكانت القاهرة هي الملاذ الآمن لكل قيادات الشعب الفلسطيني ابتداء بياسر عرفات والشيخ احمد ياسين.. وفي ساعات قليلة تم الاتفاق بين حماس وفتح لتبدا مصر دورا حقيقيا في تحقيق سلام عادل يعيد للشعب الفلسطيني حقه في حياة كريمة ووطن آمن..
كانت معركة الوفاق الفلسطيني واحدة من ثمار ثورة25 يناير والنهج الواعي الذي اتخذه المجلس العسكري والخارجية المصرية وجهاز الامن القومي, ونحن علي أعتاب مرحلة جديدة لاستعادة الدور السياسي المصري.
لقد ثارت شكوك كثيرة حول موقف دول الخليج العربي من الثورة المصرية ورغم ان قيادات هذه الدول اكدت احترامها وتقديرها لارادة الشعب المصري الا ان هناك من يحاول إثارة الفتنة.. ان الشيء المؤكد ان دول الخليج العربي, وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية تضع الشعب المصري دائما في كل حساباتها.. حدث هذا رغم الخلاف مع ثورة يوليو وانعكس بصورة واضحة في موقف الراحل الكبير الملك فيصل في مؤتمر الخرطوم والدعم العربي لمصر بعد نكسة67, واتضح ايضا بعد اتفاق كامب ديفيد مع اسرائيل ولاشك ان الثورة المصرية لاتهدد احدآ لان لكل وطن ظروفه ولكل شعب ثوابته واهل مكة أدري بشعابها.
لقد تساءل المصريون كثيرا عن اسباب توقف مشروع انشاء الجسر البري بين مصر والسعودية عند مضيق تيران والعقبة, وقد تم وضع خطة انشاء هذا الجسر منذ14 عاما, وكان المفروض ان يتم انشاؤه في ثلاث سنوات بتكاليف تبلغ ثلاثة مليارات دولار بطول23 كيلومتر.. لااحد حتي الان يعلم لماذا توقف هذا المشروع فجأة وهل كان الرفض الاسرائيلي هو السبب!
ولاشك ان الدول العربية يهمها في الدرجة الاولي استقرار مصر وامنها ورخاءها.. وقد كانت رحلة رئيس الوزراء د.عصام شرف بداية طيبة مع دول الخليج التي زارها.
هناك ملفات اخري دخلت الي دائرة الاهتمام في القرار المصري بعد ثورة25 يناير.. كان في مقدمة هذه الملفات الموقف مع السودان, ولاشك ان زيارة وفد مصري رفيع للخرطوم برئاسة رئيس الوزراء في الاسابيع الماضية قد اعاد الكثير من الدفء للعلاقات المصرية السودانية, كان ملف السودان من الملفات التي اهملناها زمنا طويلا والآن يعود السودان الي موقعه الاصيل في دائرة القرار المصري..
كانت زيارة الوفد الشعبي المصري الي اوغندا انجازا كبيرا علي المستوي السياسي والشعبي.. وهناك زيارة اخري تمت منذ ايام لوفد آخر سافر الي اثيوبيا ليعيد جسور التواصل مع دول حوض النيل.. وعندما حدثت موقعة الزمالك مع الفريق التونسي في القاهرة سافر وفد شعبي مصري الي تونس ليقدم الاعتذار, وهنا يتضح لنا الفرق في سلطة القرار بين ماحدث في فضيحة الجزائر والاعتذار للشعب التونسي الشقيق.
كان رفض المعونة الامريكية المشروطة موقفا كريما يليق بمصر الشعب والقرار, وعلينا ان ننتبه من الآن للمنح الوافدة للمجتمع المدني من الخارج لان وراءها اغراضا كثيرة مشبوهة.
في شهور قليلة ومن خلال رؤي وحسابات جديدة اختلفت مواقف الادارة المصرية في ظل الاهداف والمصالح التي تؤكد دور مصر.. كانت هناك مجموعة دوائر تكمل بعضها من خلال سياسات جديدة.. ان المجلس العسكري يضع الاهداف ويترك لمؤسسات الدولة والحكومة ان تمارس حقها في اتخاذ القرار المناسب.. وقد اضاف المجلس بوعي شديد دائرة جديدة للقرار المصري وهي المشاركة والدور الشعبي وقد كان دورا مهملا ومعزولا عن كل مايجري ومايدور..
ايقاع مختلف في معالجة موقف مصر من الاشقاء في حماس وفتح لأن مصر الثورة تسعي الي الوفاق ولان وحدة الفلسطينيين تعطي الجانب الفلسطيني مصادر قوة جديدة في مفاوضات السلام اذا كانت اسرائيل تسعي بالفعل الي سلام عادل مع الفلسطينيين..
ايقاع مختلف في قضية مياه النيل حيث شهدت لأول مرة دخول الجانب الشعبي الوطني في حوار حول هذه القضايا مع دول حوض النيل.
حراك رسمي غير مسبوق في قضايا تهم الامن القومي المصري شاركت فيها لأول مرة القوي الشعبية في محاور ثلاثة: قضية المصالحة في غزة علي حدود سيناء مع اسرائيل.. وقضية العمق الاستراتيجي لمصر في السودان الشقيق.. وقضية مياه النيل في الجنوب خاصة بعد استقلال دولة الجنوب وظهور واقع سياسي جديد.. ثم امن الخليج العربي وعلاقات تاريخية ممتدة بين الشعب المصري وأمته العربية بعد غياب طويل.
هناك فكرجديد يحكم القرار المصري بعد الثورة..
.. ويبقي الشعر
في أي شيء أمام الله قد عدلوا
تاريخنا القتل.. والإرهاب.. والدجل
من ألف عام أري الجلاد يتبعنا
في موكب القهرضاع الحلم.. والأجل
نبكي علي أمة ماتت عزائمها
وفوق أشلائها.. تساقط العلل
هل ينفع الدمع بعد اليوم في وطن
من حرقة الدمع ما عادت له مقل
في جرحنا الملح هل يشفي لنا بدن
وكيف بالملح جرح المرء يندمل
أرض توارت وأمجاد لنا أندثرت
وأنجم عن سماء العمر ترتحل
ما زال في القلب يدمي جرح قرطبة
ومسجد في كهوف الصمت يبتهل
فكم بكينا علي أطلال قرطبة
وقدسنا لم تزل في العار تغتسل
في القدس تبكي أمام الله مئذنة
ونهر دمع علي المحراب ينهمل
وكعبة تشتكي لله غربتها
وتنزف الدمع في أعتاب من رحلوا
كانوا رجالا وكانوا للوري قبسا
وجذوة من ضمير الحق.. تشتعل
لم يبق شيء لنا من بعد ما غربت
شمس الرجال.. تساوي اللص والبطل
لم يبق شيء لنا من بعد ما سقطت
كل القلاع.. تساوي السفح والجبل
من قصيدة مرثية.. ماقبل الغروب سنة1997
fgoweda@ahram.org.eg