Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : بعد أن يهدأ الغبار

هوامش حرة



بعد أن يهدأ الغبار



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




في الساعات الأخيرة تدخل الرئيس حسني مبارك وأمر بأسطول من الطائرات ليعيد المصريين المحاصرين في الخرطوم قبل أن يتعرضوا لمذبحة دامية بعد مباراة مصر والجزائر‏..‏ وفي الساعات الأخيرة أمر الرئيس بإرسال كل معدات الإنقاذ لضحايا قطار العياط لإخراج المواطنين من العربات المهشمة‏..‏ وفي الساعات الأخيرة أتصل الرئيس بعدد من رؤساء الدول لإنقاذ مرشح مصر في اليونسكو‏..‏ وانتظر ضحايا العبارة السلام‏98‏ ساعات طويلة حتي يصدر قرار إنقاذهم وماتوا جميعا قبل أن يصدر القرار‏..‏ وهناك أحداث كثيرة أخري انتظرت قرارا من الرئيس لإنقاذ ضحايا حريق بني سويف وفريقنا القومي في مونديال الشباب وهو يقام علي أرضنا وبين جماهيرنا وخرجنا منه خاسرين المال والنتيجة



وقبل ذلك كانت هناك أزمات كثيرة هرب منها المسئولون في الدولة ليتصدي لها الرئيس حسني مبارك بحسم ولعل آخرها قصة الإهمال الشديد لملف مياه النيل والذي كان ومازال يهدد بكارثة بعد أن ساءت علاقاتنا وبلا أسباب بدول حوض النيل‏..‏ برغم أن لدينا حكومة ووزراء وسفارات وأجهزة تحتل مئات المباني ومؤسسات ندفع لها مئات الملايين من أموال هذا الشعب‏..‏



عشرات القصص التي يمكن أن نتوقف عندها عن أداء سييء وإهمال جسيم لكبار المسئولين في الدولة تلقي بكل أعباء مسئولية القرار علي رئيس الدولة في سابقة غريبة لا تحدث إلا في مصر‏,‏ بلد أقدم حكومة في التاريخ فماذا يفعل الوزراء وماذا يفعل رئيس الحكومة وماذا يفعل كبار المسئولين في قطاعات العمل العام‏,‏ وما هو دورهم إذا كان الجميع يلقون المسئولية علي رئيس الدولة بما في ذلك مباريات كرة القدم وترشيح مسئول في منصب أو كارثة أوتوبيس أو قطار أو عبارة‏..‏ وإذا كانت هناك حكومة لا تعمل ومسئولون هربوا من المسئولية فما هي مبررات بقائهم في مناصبهم‏..‏



كان الرئيس حاسما أمام مجلسي الشعب والشوري حين قال إنه لا يقبل إهانة مصري مهما تكن الأسباب لأن كرامة المصري من كرامة مصر‏..‏



إن ما حدث للمصريين في الخرطوم جريمة مدروسة وما حدث للممتلكات المصرية في الجزائر جريمة أكبر وعلي الحكومة الجزائرية أن تتحمل المسئولية أمام شعبها وأمام التاريخ الذي لن يغفر ما حدث‏..‏



كانت ثورة الشارع المصري في الأيام الأخيرة ثورة حادة وعنيفة ولاشك أن فيها من الإيجابيات الكثير وإن شابتها أيضا بعض التجاوزات‏..‏



ولكن عندي بعض التساؤلات للمسئولين في الحكومة حول ما حدث في الخرطوم‏..‏ لأن هناك جوانب قصور لا ينبغي تجاهلها أو السكوت عنها بل يجب أن يحاسب المسئولون عنها‏..‏


*‏ المفروض أن مباريات كرة القدم‏,‏ تحكمها عدة عناصر منها تاريخنا مع الفريق المنافس‏..‏ والمكان الذي ستتم فيه المباراة‏..‏ والجمهور الذي سوف يشاهدها من حيث النوعية‏..‏ والعدد‏..‏ والاستعدادات ووسائل الحماية والانتقال والعودة إذا كانت خارج الحدود‏..‏



أنا لا أفهم في كرة القدم ولكنني أري أن أي شيء لابد أن تسبقه ترتيبات‏..‏ وحسابات واحتمالات ونتائج ابتداء بمباريات الكرة وانتهاء بعمل أي مؤسسة أو جهاز مسئول وفي تقديري أن الموقف في الخرطوم كان يتطلب مجموعة أشياء‏..‏ أن نقرأ تاريخ المباريات بين مصر والجزائر‏..‏ وهو تاريخ أسود في كل المواجهات السابقة بسبب الجمهور الجزائري المتعصب والذي لا يقبل الهزيمة‏,‏ كما تراها تقاليد وأعراف كرة القدم والرياضة بصفة عامة‏..‏ ويبدو أننا لم نقرأ هذا التاريخ قبل أن نذهب إلي الخرطوم واكتفينا بهذه المبالغة الشديدة في هذا الفوز الناقص في القاهرة‏..‏


*‏ هل قرأ السادة المسئولون عندنا أرض المواجهة في الخرطوم قراءة صحيحة من حيث الملعب والإقامة والانتقال والسكن والأطعمة والحماية‏..‏ أنا أشك في ذلك كثيرا لأسباب واضحة‏..‏ أن الذي نظم الوفود المسافرة من المشجعين هي شركات السياحة والبيزنس والاتحادات والنقابات والحزب الوطني ومجلسا الشعب والشوري وقد توهم هؤلاء جميعا بما فيهم اتحاد الكرة أنها فسحة سريعة وأن الفريق المصري سوف يحسم المباراة بهدف سريع في الدقائق الأولي ويعود منتصرا ولا مانع من قضاء ليلة جميلة مع الأشقاء في السودان‏..‏

هذا التفكير يعكس خللا في الرؤي واستهتارا بأرواح الناس‏..‏ لقد جاءت معلومات ثابتة ومؤكدة من الجزائر والخرطوم أن الجمهور الجزائري المتعصب قد أندفع بالالاف إلي الخرطوم بعد هزيمة فريقه مباشرة في القاهرة وأن عدد الجمهور الجزائري وصل إلي أكثر من‏10‏ ألاف مشجع دخلوا بدون تأشيرات أي أنهم مجهولو الأعمال والأسماء والهوية‏..‏ وأن هذا الجمهور يستعد لمواجهة دامية مع الجمهور المصري هناك والذي لم يتجاوز‏3‏ ألاف مشجع‏..‏


*‏ هل أخبرت السفارة المصرية في الخرطوم المسئولين في القاهرة بهذه الحقائق هل أخبرتهم بالآف الشقق التي استأجرها الجزائريون وألاف السيارات والميكروباصات وآلاف التذاكر التي بيعت في السوق السوداء واشتراها المشجعون الجزائريون بما فيها التذاكر المصرية‏..‏ إذا كان هذا كله قد وصل إلي المسئولين في القاهرة فما هي الاستعدادات التي قاموا بها لمواجهة كل هذه الاحتمالات‏..‏


*‏ في الوقت الذي أكدت فيه الأخبار سفر ألاف المشجعين الجزائريين المحترفين قبل المباراة بثلاثة أيام اندفعت الطائرات المصرية تحمل أعضاء الحزب الوطني ومجلسي الشعب والشوري والفنانين والإعلاميين وأبناء السبيل وكأنهم في أحد مهرجانات وزارة الثقافة أو أعياد الحزب الوطني وكل هؤلاء لا يدخلون إطلاقـا في سجلات مشجعي كرة القدم علي الطريقة الجزائرية‏..‏ ومع هؤلاء كان ضحايا شركات السياحة الذين دفعوا أسعارا تتراوح بين‏2000‏ و‏5000‏ جنيه للفرد‏..‏ في حين أن حكومة الجزائر دفعت بالآلاف من شبابها إلي ساحة المواجهة دون أن يدفعوا شيئـا وحملتهم للخرطوم طائرات عسكرية تستخدم أساسا في نقل الجنود والمعدات والذخائر في أوقات الحروب‏..‏ وحين وصل فريق المشجعين المصريين كانت اعلام الجزائر قد غطت كل الأماكن في الخرطوم واستولي المشجعون الجزائريون علي معظم مدرجات الاستاد بما في ذلك الأماكن المخصصة للمصريين‏..‏



أخطأنا في كل شيء‏..‏ في دراسة المواجهة واختيار المكان واختيار المشجعين وكان الخطأ الثالث وهو الأخطر أننا لم نفكر في تدبير حماية مشروعة لمواطنينا الذين سافروا‏..‏ لن أتحدث عن فنانات ونساء وأطفال ولكنني أتحدث عن تقصير خطير أمام استعدادات مؤسفة ومخيفة تنتظر المصريين في الخرطوم‏..‏



ولكن الجمهور المصري الذي ذهب بنسائه وأطفاله وشيوخه لم تفكر دولته صاحبة السبع آلاف سنة حضارة في أن ترسل معه فريقـا من المشجعين المحترفين من جمهور الدرجة العاشرة ولدينا منهم الملايين‏..‏ أو علي الأقل كان من الممكن إرسال فرقة من الأمن المركزي بملابسهم المدنية التي نعرفها لتحمي الجمهور المصري إذا تطلب الأمر ذلك وعلي حد علمي فقد كانت هناك تعليمات بذلك ويبدو أنها لم تنفذ وذهب المشجعون المصريون من المطار إلي الأستاد مباشرة دون أي ترتيبات أو حماية‏..‏



هذه في تقديري أخطاء المواجهة مع الجزائر‏,‏ وهي تؤكد أننا لا نتعلم من أخطائنا ومن دروس الماضي القريب أو البعيد‏.‏ لم تكن الكارثة الأولي في مباريات مصر مع الجزائر فهناك تاريخ طويل بين مشجعي البلدين كان فيه الكثير من التجاوزات‏..‏



هناك أخطاء أخري لا أعتقد أنه من السهل تداركها الآن‏..‏ حتي الساعات الأخيرة لم تتوافر لدي اتحاد الكرة المصري المستندات والوثائق التي يقدمها في تقريره عن أحداث الخرطوم إلي الفيفا‏..‏ لأن عشر كاميرات حملتها بعثة التليفزيون المصري لم تصور دقيقة واحدة من الأحداث ولأن الجانب الجزائري حين سجل واقعة الاعتداء علي الأوتوبيس في المباراة الأولي في القاهرة كان يحمل معه مصورا فرنسيا ومراسلا من وكالة الأنباء الفرنسية مع ترتيبات خاصة مع عضو الفيفا الذي تولي كتابة التقرير الذي أدان مصر قبل أن تبدأ المباراة وحصل الجزائريون علي تعهد مكتوب بتوفير كل جوانب الأمن والحماية‏..‏


*‏ ويبقي قبل ذلك كله أن الإعلام المصري والجزائري ارتكب خطيئة كبري لا ينبغي تجاوزها‏..‏ كان شحن الشارع عملا مجنونـا من الطرفين قبل المباريات وبعدها‏,‏ وشارك في ذلك برامج الفضائيات التي دخلت بالناس إلي مناطق غاية في الخطورة في الشتائم واستخدام ألفاظ لا تليق ولا تقل في تأثيرها السييء عن جنون مشجعي كرة القدم‏..‏ وإذا استمرت هذه الأساليب في العمل الإعلامي فعلينا أن ننتظر كوارث أكبر‏..‏ وعلي المسئولين في العالم العربي مراجعة برامج الفضائيات المجنونة في اجتماع عاجل لوزراء الإعلام العرب في الجامعة العربية وأطالب السيد عمرو موسي أمين الجامعة العربية بجمع الوزراء ورؤساء الفضائيات لوضع حد لهذه المهازل والمهاترات التي تهدد ما بقي من روابط بين الشعوب العربية إذا كان هناك شيء قد بقي بالفعل‏..‏ ويجب أن يسير في نفس الاتجاه محاسبة المؤسسات الصحفية في الجزائر التي روجت الأخبار الكاذبة وأفسدت العلاقات بين مصر والجزائر‏,‏ أما اتحاد الكرة فأرجو أن يكون لدية من الوثائق والمستندات والبراهين ما يعيد للشارع المصري حقه‏..‏


*‏ كان من أخطر ما ترتب علي هذه الأزمة بداية حساسيات بين الشعبين المصري والسوداني لولا حكمة القيادة السياسية التي أعادت الأمور إلي مجراها بين الأشقاء‏..‏ هناك أطراف يجب أن تكون موضع المساءلة والحساب الآن‏,‏ منها سياسة الدولة في الإعلام وسياسة الدولة في اختيار السفراء‏..‏ وسياسة الدولة في حماية المواطنين وسياسة الدولة في عمل المسئولين العاجزين عن تحمل أعباء المسئولية‏,‏ وينتظرون قرارا أو توجيها من الرئيس في كل صغيرة وكبيرة حتي مباريات كرة القدم‏..‏



بقيت عندي ملاحظة أخيرة أن المواجهة كان ينبغي أن تنتهي في لقاء القاهرة بفوز ساحق لا يعطي فرصة لملاحق أخري‏..‏

‏‏fgoweda@ahram.org.eg




..‏ ويبقي الشعر

الطـقـس هذا العام ينـبـئـني

بأن النـورس المكسور يمضي‏..‏

بين أعماق السحاب

قد عاش خـلـف الشاطيء المهجور

يلـقيه السراب‏..‏ إلي السراب

والآن جئـت‏..‏ وفي يديك

زمان خوف‏..‏ واغــتـراب

أي الشـواطيء في ربوعك‏..‏

سوف يحمـلـني ؟

قلاع الأمن‏..‏ أم شبح الخراب ؟

أي البلاد سيحـتـويني‏..‏ موطن للعشق

أم سجن‏..‏ وجلاد‏..‏ ومأساة اغـتصاب؟

أي المضاجـع سوف يؤويني ؟

وهل سأنام كالأطـفـال في عينيـك‏..‏

أم سأصير حقــا مستباحا‏..‏ للـكلاب ؟

أي العصور علي ربوعك سوف أغرس

واحة للحب‏..‏ أم وطنـا تمزقـه الذئـاب؟

أي المشاهد سوف أكـتـب في روايـتنـا ؟

طـقـوس الحلم‏..‏ أم‏'‏ سيركـا‏'‏ تـطير

عـلـي ملاعبـه الرقـاب ؟

الطـقـس هذا العام ينبـئـنـي

بأن الأرض تـحمل ألـف زلـزال

وأن الصبح يصرخ تحت أكـوام الـــتـراب

من قصيدة الطقس هذا العام سنة‏1990‏