Loading

السبت، 21 فبراير 2009

مرثية الطائر الحزين

أماه..

لا تخجلي مني أتيتك عاريا

سرقوا ثيابي.. في الطريق

أنا لم أعد طفلا

لألقي بعض عريي في يديك.. وتضحكين

أنا لم اعد طفلا

فأسبح بين أخطائي وأنت تسامحين..

لا تخجلي مني أتيتك عاريا

أخفي عن الطرقات نفسي

عن الأيام.. ما لا تعلمين

لا تخجلي مني فعريي.. بعض عريك

آه يا أماه ما أقسى زماني

صارت الأثواب من وحل.. وطين

* * *

منذ افترقنا والقطار يدور بي عاما.. فعام..

آه لو تدرين كم عصفت بأيامي محطات القطار

كم دارت الأيام يا أمي

وزيف الليل يحملنا إلى دجل النهار

أماه أتعبني الدوار

والآن جئتك والقطار يلمني بعض البقايا

وثيابنا سرقت وعدنا مثلما كنا.. عرايا

منذ افترقنا والقطار يدور بي عاما.. فعام

عشر فعشر.. ثم عشر ضائعات

ما زلت أذكر عندما انطلقت وراء الأفق

أصوات تبشر.. عاد عهد المعجزات

قالوا وقالوا يومها...

قالوا بأن القهر يقتل في النفوس عفافها

والناس تسجنها البطون

صاحت جموع الناس(فلتحيا البطون)

قالوا بأن الصبح حق لا يضيع

والأرض ملك للجميع

صاحت جموع الناس(فليحيا الجميع)

قالوا خراب الأرض في أبناءها

والله وحد بيننا في الرزق في الأنساب

في صمت القبور..

صاحت جموع الناس(فلتحيا القبور)

قالوا لنا.. قالوا الكثير

بين الحدائق كانت الأشجار تعلو

مثل ضحكات الصغار

والحلم بين ملاعب الأطفال يلهو كالنهار

* * *

سألوا علينا في القطار...

أعمارنا.. أخطاءنا..

وصلاتنا.. وصيامنا

سألوا علينا الماء كيف يكون ملمس جلدنا؟

سألوا علينا الطين كيف يكون عمق قبورنا؟

فحصوا مع الخبراء نبض عقولنا

سألوا علينا الليل كيف نهيم في أحلامنا؟

سألوا علينا الصمت كيف يكون دفء نساءنا؟

سألوا علينا.. كيف نبكي.. كيف نضحك؟

كيف نصرخ.. كيف ننسى حزننا؟

لقد استباحوا سرنا

لم يتركوا شيئا لنا..

* * *

ومضى القطار..

يوما فيوما.. والقطار يدور بي.. عاما فعام

وإذا نطقت.. همست شيئا.. أو عطست

يقال دعك من الكلام

في كل يوم ألمح الأشلاء قبرا

تحت قضبان القطار

والبعض منا يختفي..

وإذا سألت يقال مات

وليس في الموت اختيار

صوت القطار يدور في عجلاته

وصفيره يعلو.. ويعلو.. حولنا

من مات مات.. من مات مات

من مات مات.. من مات مات

* * *

حملوا البنادق ذات يوم

خلف أستار الظلام

ورأيتهم كالنار تحرق كل أسراب الحمام

وذئابهم تعوي وأشلاء من الأشجار

و الأزهار تصرخ كالحطام..

أبراج قريتنا رأيت ترابها

يعلو.. ويعلو.. ثم يسقط في الزحام..

وسألتهم ما ذنب أسراب الحمام؟

قالوا قضاء الله لا تسأل

ولا تسمع-حقير الشأن-سفسطة العوام

ونظرت حولي في القطار

طارت عيون الناس خوفا

خلف أشلاء الحمام

وقطارنا يمضي على نفس الطريق

وصفيره يعلو.. ويعلو حولنا

من مات مات.. من مات مات

من مات مات.. من مات مات

* * *

حملوا البنادق ذات يوم

خلف أطفال صغار..

قطعوا أصابعهم وطارت في السماء ثيابهم

وهوت بقايا في التراب

يتساقط الأطفال في الأوحال

في البرك الصغيرة.. كالذباب

وسألتهم ما ذنب أطفال صغار

فأتى إلي الصوت يصرخ بالجواب

هل ينجب الذئب الحقير سوى الذئاب؟

لا تتركوا الأشجار تكبر

واقطعوها قبل أن تعلو الرقاب

وقطارنا يمضي على نفس الطريق

وصفيره يعلو.. ويعلو حولنا

من مات مات.. من مات مات

من مات مات.. من مات مات

* * *

ومضى القطار..

والعمر يدفن بعضه بعضا..

عشر حيارى ثم عشر للأسى

وختامها عشر الأماني الضائعات

العمر أصبح بين أيدينا بقايا من رفات

ونظرت حولي..

لم أجد أحدا يبادلني الكلام

فالناس ماتوا.. أو أصيبوا بالجنون

وسألت نفسي أين نحن.. ومن نكون؟

ومضيت أصرخ في القطار

الجنة الخضراء.. والفقراء والجوعى

وحلم الأمس.. صيحات البطون

الناس حولي يضحكون

ورأيت أعينهم كبركان يحاصرني

ويكبر ثم يكبر.. يحتويني

ثم يحملني الدوار..

وتداخلت في العين ألوان الصور..

النمل يعبث في ثيابي..

والدماء تسيل من رأسي

وأفواج الذباب تحيطني

والناس حولي يضحكون

ألقيت نفسي فوق قضبان القطار

ومضيت أصرخ كيف ضاع العمر في هذا الدمار

جثث الضحايا والأماني الضائعات

على دروب الانتظار..

والجنة الخضراء.. والأحلام الجوعى

وصيحات البطون..

والناس حولي يضحكون..

ومضيت أجمع بعض أشلائي وأوقف في القطار..

ما زال يجذبني القطار..

وتجمعوا حولي وصاحوا:

ضل عن دين الفريق

خلعوا ثيابي.. أحرقوها في الطريق

ورأيت نفسي عاريا..

وأخذت أجمع بين ضحك الناس

أشلائي.. وهم يتساءلون:

قد كان يوما عاقلا..

ومضيت يا أماه أجري.. ثم أجري

ثم أصرخ في جنون

فلقد نسيت الاسم والعنوان يا أمي

تراني.. من أكون؟

سرقوا ثيابي.. أحرقوها

ثم راحوا يضحكون

ورجعت وحدي بالجنون

رجعت وحدي بالجنون